
50 عاماً على الطريق من بيروت إلى الجنوب… سردياتُ الانتصارات والهزائم
– الـ 2000 نَقْلَةٌ فاصلةٌ في مَسيرة «حزب الله»… من مقاومةٍ بالعبوات أَنْجَزَتْ انسحاباً إسرائيلياً إلى منصةِ صواريخ لمحورٍ يَتهاوى ساحةً بعد ساحة
– يوم حَدَّثَنا «أبوجهاد» عن اجتياحٍ يصل إلى مَشارف بيروت لم يكن الرجل «المرهوب الجانب» يتوقّع الانهيار المريع لقواته فوق الرمال المتحرّكة
– من دلال المغربي إلى حرب الإسناد التاريخُ يجترّ أحداثَه… فالليطاني كأنه نهرٌ من الدم «لا يجفّ»
– حرب لبنان الثالثة زلزالٌ عَصَفَ بحجرِ رحى اسمُه «حزب الله» فسقطتْ سورية الأسد واهتزّتْ بغداد وانكَشَفَ الحوثي وانكفأتْ طهران
كلُّ الأشياء… أشلاء، الأشخاصُ أشلاء، البيوتُ أشلاء، الذكرياتُ أشلاء، الطرقاتُ أشلاء، المشروعُ أشلاء، الأشجارُ أشلاء، الأحلامُ أشلاء، الأسواقُ أشلاء، الأوهامُ أشلاء، الدفاترُ أشلاء، والكلامُ… أشلاء.
هذه حالُ قرى الحافةِ الأمامية وأخواتِها المسكونةِ بالخراب المُخيف والفواجعِ الـ «قلَّ نظيرُها» والأسى الرهيبِ بعد حربٍ «ولا كل الحروب» جعلتْ الجغرافيا وليمةً لوحشٍ شَرِهٍ، وشَرُّهُ أودى بالتاريخ إلى تنكيسِ الجبين… قرى بأمّها وأبيها صارتْ أثَراً بعد عَيْنٍ، دساكرُ تتكئ على حُطامها، وشرفاتٌ ذهبتْ إلى غير رجعة، ووحدها المقابر المفتوحة حَضَرَتْ على عَجَل.
على الطريق
منذ 50 عاماً أو أكثر بقليل، وعلى امتداد هذا «النصف قرن»، كانت وعلى الدوام الطريقُ عيْنُها، الوُجْهَةُ ذاتُها والمَهمةُ نَفْسُها… إنها الطريقُ من بيروت إلى الجنوب في أزمنةِ المنزلقاتِ الخطرةِ والمنعطفاتِ القاسيةِ والمسافاتِ الوَعِرَة. فالوجهةُ التي لا اتجاه سواها هي خطُّ التماس مع إسرائيل، الخطُّ المتفاوتُ الحماوةِ، المترامي الأطراف والمتعدد الأجندة.
أما المَهمةُ الدائمة، فالأهمُّ فيها تَقَصي الحقائق بالعيْن المجرّدة كشهودِ عيانٍ، وغالباً من خارج نصِّ السرديات الجاهزة كـ «الوجبات السريعة».
الرَجُلُ المرقّط
في أواخر ستينات القرن الماضي، كنا نسترق السمعَ للكلام عن «الفدائيّ» المتواري خَلْفَ همساتٍ، عن «الكوفية» التي تطلّ كَـ لَمْحِ البَصَرِ في أقاصي الجنوب وبين أحضانه. وقادتْنا البداياتُ إلى مَشاويرَ فيها الكثير من الإغواء لاكتشاف سِرّ الرجل المرقّط وسِحْرِه يوم كان كالهواء، موجوداً ولا يُرى وسط حكايا شبيهة بالأساطير عن «المخلوقات الفضائية» عند الحديث عن القاماتِ الممشوقةِ والكلاشنيكوف والقبضات المرفوعة، وعن رجالٍ يَسكنون الحلمَ وتَسْكنهم فلسطين.
بين غابات البنادق
عندما صارتْ لنا أوراقٌ وآلاتُ تسجيلٍ وأقلامٌ وعدسات، كان اشتدّ عودُ «الكفاح المسلَّح» الذي انتزع «اتفاقَ القاهرة» من لبنان من دون أن يحرّك حَجَراً في الطريق إلى فلسطين. غالباً ما كنا نحلّ ضيوفاً في رِحاب «فتح لاند» ونحطّ في معسكراتٍ مرقّطةٍ بألوانِ الطيف الفلسطيني وتَناقُضاته المبكّرة.
نُمْضي أياماً وليالي بين غاباتِ البنادق وفي بساتين الليمون والموز والزيتون… كلامٌ كثيرٌ عن «العنف الثوري» ومؤتمر جنيف، وعن «الختيار» (أبوعمار) الذي كان في عزّ شبابه، وصولاً إلى ماو تسي تونغ في الصين وهو تشي منه في فيتنام.
النهرُ وما أدراك…
لم يكن زمنَ المسيَّراتِ الانقضاضيةِ أو صواريخ الفرط صوتية. كانت الأجسادُ في بوز المدفع كأنها قذائف بشرية.
هذا ما حدث مع دلال المغربي بعدما تسلّلتْ من بحر لبنان وقادتْ عمليةً داخل إسرائيل التي ردّتْ بعملية الليطاني في أول حربٍ ضدّ لبنان (1978) ولإبعاد منظمة التحرير الفلسطينية إلى ما وراء النهر.
وكأن التاريخَ يَجْتَرُّ أحداثَه على مدى 46 عاماً. يومَها، كأيامٍ توالتْ، كنا في الجنوب نُحْصي سقوطَ 300 ضحية من المدنيين اللبنانيين ونزوحَ نحو 250 ألفاً عن ديارهم، وشهدْنا بأمّ العيْن محاولةَ إسرائيل ترسيمَ حدودِ المنطقة العازلة جنوب الليطاني.
في الطوافةِ… إلى الحرب
لم تَرُقْ لتل أبيب «لعبةُ الكاتيوشا» لهزّ الشِباك الإسرائيلية كلما اقتضتْ الحاجة. بين الحربيْن (1978 – 1982) انتقلْنا بالطوافةِ من مطار بيروت إلى عاصمة «القبعات الزرق» في بلدة الناقورة اللبنانية المتاخمة لإسرائيل للقاء قائد الطوارئ الإيرلندي وليم كالاهان… كان المشهدُ من الجوّ يوحي بأن الأمورَ ليست على ما يرام وأن شيئاً ما يُعَدّ على الأرض.
«سين جيم» مع الجنرال الآتي من بعيدٍ، عن الأدوارِ والاستقرارِ والحدودِ وما سيكون. الأسئلةُ هي هي، وكذلك الإجاباتُ على مدى نحو 50 عاماً.
«أبوجهاد» و… شارون
… على حافة الـ 1982 قَصَدْنا خليل الوزير (أبوجهاد) في أحد بيوته السرية في محلة برج أبي حيدر البيروتية. لم يتردّد قائد قوات «العاصفة» في إبلاغنا أنه يتوقّع اجتياحاً إسرائيلياً واسعَ النطاقِ يَصل إلى مشارف بيروت، وهو ما عَنْوَنَهُ «تلفزيون لبنان» في نشرته المسائية نقلاً عن حوارنا المنشور مع القائد الفلسطينيّ المرهوبِ الجانب والذي لم يدرك أن قواته التي تُقاتِلُ على رمالٍ متحركة ستتلاشى بعدما انحرفتْ البوصلةُ، وأن أرييل شارون سيُحاصِر «خيمة» محمود درويش الأخيرة بعدما انتقلتْ الحافةُ الأمامية إلى بيروت التي استباحَها الإسرائيليون.
… «جمول»
«جمول» مختصرٌ مفيد عن «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» التي وقّع بيانَها الأول جورج حاوي ومحسن إبراهيم، فأثمر رصاصُها القليل واحتضانُها الكبير انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً بـ «مكبّرات الصوت» من العاصمة ومناطق واسعة قبل أن يهبّ «هواءٌ غريب» أَمْعَنَ اغتيالاتٍ لقادةِ المقاومة من اليساريين، في ظاهرةٍ تشبه «تكفيريي اليوم»، وينفجر بعدها صراعٌ إقليمي سوري – إيراني على الإمرةِ لمَن في جنوب لبنان ويسيل دمٌ كثيرٌ بين حركة «أمل» بزعامة الرئيس نبيه بري و«حزب الله» في معارك إقليم التفاح، وهي المعارك التي أخرجت بري من المقاومة إلى جنّةِ السلطة، فاختصر الحزبُ بمقوياتٍ إيرانية المواجهةَ مع الاحتلال.
كل الجهات… جنوب
ولأن كل الجهات… جنوب، غالباً ما كنا ننتقل من بيروت إلى خطوطِ المواجهةِ على وقع أغنياتِ مارسيل خليفة وأناشيد أحمد قعبور وقصائد «شعراء الجنوب» لسبْر أغوارِ ظاهرةٍ ناصعة… أبناءُ الإرث العاملي يجاورون «التنين» على أطراف الشريط الحدودي المحتل في صمودٍ نادِرٍ ومتجذّر.
لم يُذْعِنوا لمخطط تهجيرهم وجَعْلِ أرضهم بلا شعب. كثيرةٌ هي الحكايا عن بيوتٍ دُمّرت ثم بُنيت، ثم دُمّرت ثم بُنيت، رواها لنا الناطق الرسمي باسم «اليونيفيل» آنذاك تيمور غوكسيل الذي صار جنوبياً بامتياز بعدما أمضى عمراً مديداً بين الأهالي الطيّبين الذين اكتووا بالعذابات وموجات العنف والنزوح.
… «بارودة» حبيقة
في الطريقِ إلى الجنوب على وهجِ عملية «تصفية الحساب» الإسرائيلية، صودف سَيْرُنا في موكبِ الوزير إيلي حبيقة، الذي طُرِد من نسوةٍ لجأن إلى إحدى المدارس في محيط صور للاحتماء من اجتياحٍ جوي لا يَرحم. كنا شهود عيان على الحادثةِ التي دلّت على أن نَقْلَ حبيقة «البارودة» إلى كتفه السوري لم يبيّض صفحتَه بعدما قيل الكثير عن دورٍ له في مجازر صبرا وشاتيلا.
ولم تكن جرأةُ مَن كان يوماً رئيس الهيئة التنفيذية لـ «القوات اللبنانية» على الذهاب إلى الجنوب حَدَثاً عابراً، فهو صار حليفاً لـ «حزب الله» الذي تَعاظَمَتْ قوتُه بعد التفويض الدولي للنظام السوري في الوصاية على لبنان.
نصرالله… واللغز
في حرب الأيام السبعة في يوليو 1993 كان «حزب الله» يتمتع بقدرٍ عالٍ من السرية. وفي واحدٍ من اللقاءات العديدة مع أمينه العام السيد حسن نصرالله آنذاك، كان عماد مغنية أكثر الغائبين حضوراً يوم طَلَبَ منا السيد وبدماثةٍ شَطْبَ سؤالٍ عن الرَجُلِ – اللغز، فأدركْنا أنه لا يهوى المخادعةَ في لحظةٍ كان الجنوبُ مسرحاً لتصفيةِ حسابٍ بين الحزب الذي أردى 3 جنود إسرائيليين في قصْفه على الجليل، وإسرائيل التي زجّتْ بتفوّقها الجوي في حربِ تقطيعِ أوصالٍ وتدميرٍ انتهتْ إلى اتفاقٍ شفوي رَعَتْهُ الولايات المتحدة، يمتنع بموجبه الحزب عن قصف شمال إسرائيل لقاء امتناعها عن استهدافِ المدنيين في جنوب لبنان.
«عناقيد الغضب»
كان الوجهُ اللبناني لمقاومةِ الحزب طاغياً، والاحتلالُ الاسرائيلي المُقَنَّع لمناطق في جنوب لبنان عبر ما يُعرف بجيش لبنان الجنوبي أعطى مشروعيةً لانصرافِ الحزب إلى مواجهته…
كنا نزور الجنوب مع كل حربٍ وبين كل حربيْن… وجوهٌ مموَّهةٌ لمقاتلين بلا أسماء يُتْقِنون فنَّ الحربِ بالعبواتِ الناسفةِ خَلْفَ خطوطِ العدو ويَتَبادلون مع الإسرائيليين القصفَ العابر للحدودِ الهشّةِ التي سرعان ما انهارتْ في أبريل العام 1996 بعدما قررتْ تل أبيب شنَّ عمليةِ «عناقيد الغضب» للقضاء على البنية التحتية للحزب… حاصرتْ الموانئ اللبنانية، ضربتْ المنشآتِ الحيويةَ للدولة عبر نحو 1100 غارة، وردَّ الحزبُ بـ 639 هجمة صاروخية، وتَهَجَّرَ مئاتُ الآلاف من على طرفيْ الحدود.
في الملعب الروماني
وعلى وَقْعِ سَرْدِيَّةٍ بسيطةٍ قائمةٍ على أن الاحتلالَ يَستولد مقاومةً، دَخَلْنا يومها ملعبَ النار… في النبطية التي تشتعل حرائقُها، التقينا كهولاً من رجال وسيدات في أزقةٍ خاويةٍ إلا من الرعب. فهؤلاء لم يغادروا وأصرّوا على البقاء حراساً لعتباتِ البيوت والشرفات. أما صور، شبهُ الجزيرة الآتية من تاريخٍ بعيد، فتحوّل الملعبُ الروماني فيها حُضْناً فسيحاً لجثامين أكثر من مئة ضحية سَقطتْ في مجزرةٍ (قانا) بدأ معها العدُّ العكسي لرحيلِ الاحتلالِ عن المستنقع الذي راوَغَ فيه طويلاً من دون أن ينجح في تأبيدِ هيْمنته على أرضٍ تهتز تحت أقدامه.
مع الـ 425 وضده
رغم الاحترام الذي حظيتْ به المقاومةُ خَلْفَ خطوط العدو، فإن قرارَ رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ايهود باراك بالانسحابِ تحت يافطة القرار 425 أَرْبَكَ حُماتَها الاقليميين الذين تَعاطوا مع الخروج الإسرائيلي كأنه نَزْعٌ لذريعةِ استمرارِ النشاط العسكري لـ «حزب الله» كفرقةٍ سبّاقةٍ في مشروعٍ إقليمي سوري – إيراني، وهو الأمر الذي استجرّ اللجوءَ المُريبَ إلى خريطةٍ تجعل من مزارع شبعا أرضاً لبنانيةً محتلةً رغم شمولها بالقرار 242 كجزءٍ من الجولان المحتلّ، وذلك تبريراً لاستمرارِ احتفاظ الحزب بسلاحه بِدَفْعٍ من دمشق التي لم تتجاوب مع دعواتِ بيروت إلى تثبيت لبنانيةِ المزارع في الأمم المتحدة.
«مسمار جحا»
يوم الانسحاب وقبل أن نشدّ الرحالَ إلى الجنوبِ المُحَرَّرِ، عَرَّجْنا على مؤتمرٍ صحافي عَقَدَهُ رئيسُ البرلمان نبيه بري في ساحة النجمة ليزفّ «الخيارَ اللبناني» بالانتقال إلى المقاومةِ الدبلوماسية، قبل أن تباغتَه خريطةُ الجهاز الأمني اللبناني – السوري المشترَك ومعها «مسمار جحا» الإقليميّ الذي جَعَلَ من لبنان مجرّد «موطئ قدمٍ» في صراعٍ أعمّ لم يَنْتَهِ فصولاً…
كان كارنفال الفرح ساطعاً في نحو 125 قرية خرجتْ إلى الحرية، تماماً كما المعتقَلين في معسكر الخيام الذي تَهاوَتْ أبراجُه وبواباتُ زنازينه تحت وطأة قبضاتٍ كأنها جاءتْ بقُرص الشمس من جديد. وظنّ الجنوبيون الذين «خدموا عسكريتهم» طويلاً أن أوان الحياة الهانئة… آن.
سترو كان هنا
تحريرُ العام 2000 وتَلاشي ذريعةِ استمرار المقاومة كان مِفْصَلياً ومِحْوَرِياً، وما بَعْده لم يشبه ما قَبْله، والأهمّ فيه كان سقوطُ ورقةِ التوتِ عن الوظيفة الإقليمية للحزب كرأسِ حربةٍ في المشروع السوري – الإيراني الذي تحوّل محوراً متعدّد الساحة وخصوصاً بعد إمساك إيران بالساحة العراقية عقب سقوط نظام صدام حسين ورواجِ نظرية جاك سترو (وزير خارجية بريطانيا آنذاك) عن «فلتحكُم الأكثريات»، وهي النظريةُ التي قرّرتْ «الممانعةُ» الانقلابَ عليها بقرار شطْب الرئيس رفيق الحريري في لبنان كقامةٍ كبرى عربية ودولية من شأنها الوقوف بوجه تَمَدُّدِ المشروع الإيراني في الإقليم، ومن ثم التباهي بالقبْض على أربع عواصم عربية.
حَجَرُ إدوارد سعيد
بعد الألفين وقبل حرب 2006 تحوّل الجنوبُ وجهةً سياحيةً، وغالباً ما قَصَدْناه للاستجمام على رمالِ صور أو في مقاهي الوزاني، أو لرصدِ رُماةِ الحجارةِ على بوابة فاطمة التي كانت شاهدةً على الصورةِ المُحْرِجة لإدوارد سعيد وهو يرشق حَجَراً على المقلب الآخَر والتي سرعان ما استوجبت توضيحَه بأنه كان يبارز ابنَه قويّ البنية، وأن الهدفَ لم يكن جنود الاحتلال بل برج مراقبةٍ مَهْجور…
وعلى مسافةٍ غير بعيدةٍ عن البوابة، باغَتَ «حزب الله» الجميعَ بعمليةِ خَطْفٍ لثلاثة جنود إسرائيليين خَلْفَ «الخط الأزرق»، وهو التطوّرُ الذي خالَفَ تطميناتِ نصر الله لـ «طاولة الحوار» واستدرج حرباً إسرائيلية هوجاء ضد لبنان في يوليو 2006.
السنيورة كان يَعلم
لم تُتح لنا زيارةُ الجنوب خلال حرب الـ 33 يوماً، فإسرائيل دمّرتْ الجسورَ وهَشَّمَتْ الطرقَ وقطعتْ أوصالَ البلادِ في اندفاعة نارٍ ولا أعنف، اضطُر معها نصر الله لِما يشبه تلاوةَ فعلِ الندامة حين قال «لو كنتُ أعلم»… فالدمارُ كان هائلاً والنزوحُ كثيفاً في حربٍ لم تَخْلُ من الانضباطِ في معادلاتٍ احترمَها الطرفان (إسرائيل و«حزب الله») كتحييدِ بيروت وتل أبيب عن مَلعب النار…
وبعد مرورِ نحو شهرٍ على اندلاعِ المواجهات، أيقن رئيسُ الحكومة آنذاك فؤاد السنيورة أن جبهةَ الحزب آيلةٌ للانهيار، فسرّع الخطى الدبلوماسية لانتزاع القرار 1701 الذي قضى بانسحابٍ فوري للقوات الإسرائيلية وخروجِ البنى العسكرية لـ «حزب الله» من جنوب نهر الليطاني وتعزيز قوة «اليونيفيل» وانتشار الجيش اللبناني جنوباً بعدما كان «الخطُّ الأحمر» السوري – الإيراني يمنع عليه ذلك.
انقلابٌ على قواعد اللعبة
انكفأتْ إسرائيل إلى خَلْفِ ما يُعرف بـ «الخط الأزرق»، من دون أن توقف خروقَها، ولم يَخرج الحزب إلى شمال النهر بعدما فَرَضَ معادلةَ أن «كل ما لا يُرى غير موجود»، وهو اطمأنّ إلى أن القبعات الزرق تَحْمي ظَهْرَهُ، فارتدّ إلى الداخل شاهراً ترسانته السياسية والأمنية بوجه خصومه إيذاناً بالانقلابِ على «قواعد اللعبة»، فاحتلّ اعتصامُه الأطول في التاريخ (18 شهراً) وسط بيروت وحاصَرَ السرايا الحكومية قبل عمليته العسكرية ضد العاصمة وبعض الجبل في 7 مايو 2008 واقتياده الجميع إلى اتفاق الدوحة الذي أتاح له الإمساكَ بالثلث المعطّل في أي حكومةٍ مقبلةٍ، وتَحَوُّله تالياً إلى الناظم السياسي والأمني للواقع اللبناني الذي بدأ نزوحاً خطوة – خطوة في اتجاه الحُضْنِ الإيراني، وسط اختلالِ التوازنات الداخلية ودخولِ البلاد في عزلةٍ متماديةٍ عن العالم العربي والعالم.
العابِر للحدود
لم يكن عابراً إدارةُ «حزب الله» ظَهْرَه للاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا، فهو لم يُطْلِقْ رصاصةً واحدةً لتحريرها على مدى أكثر من عقدٍ ونصفِ العقد من الزمن. وكذلك ابتعدتْ فلسطين كثيراً حين صارتْ الطريقُ إليها تمرّ عبر القلمون والزبداني في سورية، بعدما تحوّل الحزب جيشاً عابراً للحدود من فوق الإرادةِ اللبنانية التي لاذَتْ بالصمت…
فمِن القتالِ في «بلاد الشام»، إلى التدخلِ في بلاد الرافدين، ومن ثم الانتقال إلى اليمن غير السعيد، تضاءل منسوبُ المقاومةِ في نشاط الحزب الذي لم يتردّد في تظهير دورِه كرأسِ حربةٍ في المشروع الإقليمي لإيران ونفوذها، والسنَد القوي لمفاوضاتها النووية مع الولايات المتحدة.
الانكشاف
ورغم أن «حزب الله» الذي فاخَرَ طويلاً بتوازنِ الردعِ مع إسرائيل وتَوَعَّدَ باقتحام الجليل عندما تقتضي الحاجة، وراكَمَ ترسانةً صاروخيةً هائلةً، وحوّل جنوبَ لبنان شبكةَ أنفاقٍ شبيهة بـ «مترو باريس»، فإنّ انفلاشَه في الإقليم وعلى امتداد ساحاتِ قوسِ النفوذ الإيراني وَفَّرَ لإسرائيل فرصةَ انكشافه، ومَكَّنَها من بناءِ «بنك أهداف» يَحْتَوي على كل شاردةٍ وواردةٍ في الحزب، من رأسه حتى أخمص قدميه، وهو الأمر الذي جَعَلَ من «حرب لبنان الثالثة» بمثابةِ زلزالٍ هائلٍ عَصَفَ بالحزب كحجرِ الرحى في المحور، فاغتيل نصرالله، قائدُه التاريخي ورمزُه الذي يَصعب تعويضُه، ثم اغتيل خَلَفُه هاشم صفي الدين، وجرى القضاء على قيادته العليا وتصفية آخَرين وتدمير أجزاء واسعة من بناه العسكرية وقدراته الصاروخية وتدفيع حاضنته الشعبية أثماناً باهظةً، ليس أقلّها النزوح غير المسبوق والدمار الشامل للممتلكات.
طوفان وأوهام
… من بيروت إلى الجنوب بعد 50 عاماً وعلى امتدادها، الطريقُ عَيْنُها، الوُجْهَةُ ذاتُها والمَهَمَّةُ نفسُها. لكن مشوارَنا الأخير إلى «كل شيء أشلاء» بعدما استكانتْ المعاركُ، كأنه قادَنا إلى ستالينغراد أو ذَهَبَ بنا إلى هيروشيما…
قيل الكثيرُ عن أن ما حَدَثَ كان الأدهى في حروبِ العصر الحديث، وعن طوفانِ الحسابات الخاطئة التي استدرجتْ إسرائيل إلى حربِ الجبهات السبع… فذُبحت غزة، وتَهَشَّمَ لبنان، واهتزّ العراق، وانقلبتْ سورية – الأسد، وانكشف الحوثي، وأصاب الضمورُ إيران، وخرجَ بنيامين نتنياهو مُنْتَشياً بولادة الشرق الأوسط الجديد.