محلّلة اقتصاديّة لترامب: لا تستهِن بالسّعوديّة أبداً

محلّلة اقتصاديّة لترامب: لا تستهِن بالسّعوديّة أبداً

الكاتب: ايمان شمص | المصدر: اساس ميديا
2 نيسان 2025

لماذا يسافر المسؤولون الأميركيون إلى السعودية للتفاوض على السلام بين أوكرانيا وروسيا؟ لماذا لا يسافرون إلى أماكن دبلوماسية تقليدية مثل جنيف أو فيينا؟

تسأل المحلّلة والمعلّقة الاقتصادية الأميركية ليز بيك التي قضت أكثر من 20 عاماً في وول ستريت تعمل مُحلّلة أبحاث مُركّزة على صناعة النفط، وتجيب: “لأنّ دونالد ترامب يعلم أنّ السعودية أساسية لخفض أسعار النفط والضغط على روسيا للجلوس إلى طاولة المفاوضات. ويعلم أنّ محمد بن سلمان، وليّ العهد السعودي، يتوق إلى القبول به زعيماً عالميّاً، وأنّ استضافة هذه الاجتماعات الرفيعة المستوى تساعده على تحقيق ذلك”.

 

تكتب بيك في مقال لها في صحيفة “ذا هيل” الأميركية، تحت عنوان “ترامب تعلّم من أخطاء بايدن: يجب عدم الاستهانة بالسعودية بتاتاً”: “عندما يتعلّق الأمر بالطاقة، يلعب الرئيس ترامب الشطرنج، لا الداما. فيما لم يكن بايدن يلعب حتى لعبة إكس”.

بالنسبة لترامب، المخاطر عالية بالقدر نفسه. انخفضت أسعار البنزين لأنّ سعر النفط الخام يدور حول 67 دولاراً للبرميل، بانخفاض عن 84 دولاراً قبل عام.

ترامب مشكور على تواصله مع بن سلمان

لماذا هذا الانخفاض؟ هناك عدّة عوامل، لكنّ الأهمّ هو أنّ أوبك+، وللمرّة الأولى منذ عام 2022، وافقت على زيادة الإنتاج في نيسان. بين الشهر المقبل وشهر أيلول 2026، وافقت المنظّمة على عكس تخفيضاتها السابقة البالغة 2.2 مليون برميل يومياً، ما لم يرتفع الطلب بشكل غير متوقّع، أو يحدث اضطراب كبير في الإنتاج في الشرق الأوسط، فالارتفاع في الإنتاج من شأنه أن يحافظ على استقرار الأسعار، عند أقلّ من مستوى 78 دولاراً الذي تمّ تسجيله في يوم تنصيب ترامب.

لهذا يُمكن شكر ترامب على تواصله مع بن سلمان.

لا تزال السعودية “المنتج المُتأرجِح” للنفط في العالم، وهي التي تقود منظّمة أوبك، ووليّ العهد هو من يُوجِّه سياساتها ويقف وراء قرار الكارتل النفطي بزيادة الإنتاج. يتوقّع بن سلمان أن يُشدّد ترامب العقوبات على إيران، وهو ما سيُقلِّل الإمدادات العالمية، وأوبك سعيدة بتكثيف إنتاجها.

بعد فترة وجيزة من تولّيه منصبه، تحدّث ترامب إلى القادة العالميين في مجال الأعمال والسياسة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، قائلاً: “سأطلب من السعودية وأوبك خفض تكلفة النفط. عليهم خفضها. في الواقع، هم مسؤولون جدّاً عمّا يحدث. ملايين الأرواح تُزهق”.

أوبك تلاعبت ببوتين

كان ترامب مُحقّاً. فقد مكّنت الأسعار المرتفعة التي تلاعبت بها أوبك، فلاديمير بوتين من تحقيق مجهوده الحربيّ. فعلى الرغم من انخفاض إنتاج النفط الروسي العام الماضي، ارتفعت الإيرادات بنسبة 2%. يمكن أن تؤدّي زيادة إنتاج أوبك إلى خفض الأسعار وتقريب السلام. ساهم خطاب ترامب في خفض أسعار النفط بنحو 1%، وبعد ذلك بوقت قصير أعلنت أوبك زيادة في الإنتاج بدءاً من نيسان.

على المدى البعيد، سيعمل ترامب على زيادة إنتاج النفط الأميركي. لن يحدث ذلك بين عشيّة وضحاها، خاصّة أنّ بعضاً من أكثر مصادر النفط الجديدة الواعدة تقع في مناطق مثل ألاسكا، وقد يستغرق إنتاجها سنوات.

لن يشجّع انخفاض أسعار النفط شركات النفط على “الحفر والتنقيب”، لكن يمكن للبيت الأبيض تعزيز الاستثمار في حقول النفط من خلال عكس سياسات بايدن التي رفعت الإتاوات المطلوبة على الأراضي الفدرالية، وفرضت رسوماً باهظة على تسرّبات غاز الميثان، وعلّقت تصاريح الحفر ومبيعات الإيجارات. سيستجيب قطاع النفط لمثل هذه الحوافز.

علاقة ترامب مع بن سلمان أساسيّة

كان القرار الأكثر تأثيراً هو إلغاء بايدن تصنيف ترامب للحوثيين منظّمة إرهابية، ووقف مبيعات الأسلحة الهجومية للسعوديين، وكانت النتيجة تعقيد حربهم ضدّ الجماعة الإرهابية في اليمن.

شجّع عداء بايدن للمملكة الزعيم السعودي على الدعوة إلى خفض إنتاج النفط ورفع أسعاره، وهو ما أضرّ بدوره بسمعة بايدن والولايات المتحدة. وفي ظلّ ارتفاع التضخّم وقلقه من اقتراب الانتخابات النصفية، سافر بايدن إلى المملكة عام 2022 للتوسّل لزيادة إنتاج النفط. وبدلاً من مصافحة بن سلمان، أصرّ بايدن على “تبادل اللكمات”، وهي حادثة دبلوماسية مُهينة. لم يتأثّر الأمير السعودي، وظلّت أسعار النفط مرتفعة. كانت النتيجة أنّ بايدن استنفد احتياطي البترول الاستراتيجي، فتقلّصت الكميّة المخزّنة إلى أدنى مستوى لها منذ عام 1984.

سيضغط ترامب على السعوديين لإبقاء الأسعار منخفضة، وهو بحاجة إلى مساعدتهم لحلّ النزاع في غزة. تُعدّ الهجمات الأميركية الأخيرة على الحوثيين، وكلاء إيران وأعداء السعودية، جزءاً من مفاوضات معقّدة.

سيستمرّ ترامب في لعب الشطرنج لا الداما.