غارة الفجر على الضاحية نذير نهاية وقف النار… لبنان يترقّب بحذر اقتراحات أورتاغوس التفاوضية

غارة الفجر على الضاحية نذير نهاية وقف النار… لبنان يترقّب بحذر اقتراحات أورتاغوس التفاوضية

المصدر: النهار
2 نيسان 2025

بدت المخاوف مبررة من “الإنذار الخطير” كما وصفه رئيس الجمهورية العماد جوزف عون الذي جسّده “هجوم الفجر” الجوي الذي نفذته إسرائيل أمس في الضاحية الجنوبية لبيروت في ثاني اعتداء من نوعه بعد سريان اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني الماضي. ذلك أن الهجوم الأول برّرته إسرائيل بذريعة إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان لمرتين متعاقبتين، لكن الغارتين الجويتين اللتين استهدفتا حي ماضي فجر أمس شكلتا عملية اغتيال لأحد القياديين البارزين في “حزب الله” في عملية حربية استباقية، الأمر الذي حضرت معه تداعيات وخلفيات بالغة الخطورة، ليس ميدانياً فحسب بل ديبلوماسياً وسياسياً أيضاً. فقد أثارت هذه الضربة المخاوف حتى الذروة من أن يكون اتفاق 26 تشرين الثاني نفسه، على الهشاشة الكبيرة التي طبعت تنفيذه منذ إعلانه والاختراقات الواسعة التي شابت هذا التنفيذ، قد ترنّح تماماً إلى حدود السقوط في ظل “تحلّل” بنوده وعودة إسرائيل بلا أيّ تقيّد بأي خطوط حمراء إلى سياسة الضربات الاستباقية في عمق لبنان وصولاً الى ضاحية بيروت الجنوبية. وإذ يبدو واضحاً أن ثمة إطلاقاً أميركياً كاملاً ليد إسرائيل ضد “حزب الله” بدليل التبرير الأميركي الدائم للضربات الإسرائيلية في لبنان، تسود انطباعات غير مريحة حيال ما ستفضي إليه مهمة نائبة المبعوث الأميركي إلى المنطقة مورغان أورتاغوس لدى عودتها قريباً إلى التحرك بين لبنان وإسرائيل سعياً إلى إطلاق مسار تفاوضي بينهما. وإذ لم تتضح تماماً لدى المسؤولين اللبنانيين طبيعة رزمة الاقتراحات التفصيلية التي يمكن أن تنقلها أورتاغوس في مهمتها المقبلة، غير أن الغارة الإسرائيلية أمس على الضاحية بعد أيام من الغارة الأولى عزّزت المعطيات التي تتوقع تعاظم الضغط الميداني – الديبلوماسي المختلط على لبنان من أجل انتزاع اتفاق “أصلب” يلتزم بموجبه نزع سلاح “حزب الله” بسرعة وفعالية تحت وطأة تمادي الواقع الاحتلالي الإسرائيلي في النقاط الخمس الحدودية وحولها كما في مضي إسرائيل في سياسة تفلّت حربي وقائي واستباقي في عمق لبنان. ولا يبدو لبنان الرسمي مالكاً لضمانات بأن يرد هذه الضغوط بسهولة ما لم يبرز خطته واقتراحاته للجانب الأميركي والدولي لحملهما على ممارسة الضغوط اللازمة على إسرائيل لالتزام موجبات القرار 1701.

غارة الفجر

وكانت الغارة الإسرائيلية التي استهدفت حسن بدير، معاون مسؤول الملف الفلسطيني في “حزب الله”، شكلت صدمة عطلة عيد الفطر في الضاحية وبيروت وسائر لبنان، مستحضرة الاجواء الحربية. وقال الجيش الإسرائيلي في بيان مشترك مع جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) إن “الغارة استهدفت عنصراً من “حزب الله” أرشد مؤخراً عناصر من حماس وساعدهم في التخطيط لهجوم كبير ووشيك ضد مدنيين إسرائيليين”. وأفادت القناة 14 الإسرائيلية بأن أجهزة الأمن تلقّت معلومات أن المستهدَف في بيروت كان يُخطّط لعملية ضد طائرة إسرائيلية في قبرص. وسقط في الغارة نجل حسن بدير الذي كان موجوداً في المنزل مع والده لحظة الاستهداف، فيما أعلنت وزارة الصحة العامة ارتفاع عدد الشهداء إلى أربعة واصابة سبعة أشخاص بجروح. وأفيد بأن ضحايا الغارة الأربع هم: حسن علي بدير وعلي حسن بدير، واحمد محمد محمود وهيام محمد محمود.

تزامنت الغارة مع تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” أفاد بأن إسرائيل بنت شبكة متنامية من المواقع والتحصينات في سوريا ولبنان، ما زاد المخاوف بشأن استمرار وجودها في أجزاء من البلدين.

وفي لبنان، أقامت القوات الإسرائيلية مواقع استيطانية في 5 مواقع، على الرغم من الاتفاق الأولي على الانسحاب في كانون الثاني الماضي. وتُظهر صور ومقاطع فيديو التقطتها الأقمار الاصطناعية، إسرائيل وهي تبني منشآت عسكرية على الجانب اللبناني من الحدود بين البلدين.

وفي سياق متصل، أعلنت قيادة الجيش اللبناني عصر أمس أن وحدة من الجيش “عملت على إزالة سواتر ترابية مستحدثة كان العدو الإسرائيلي قد أقامها في بلدة العديسة – مرجعيون، وأعادت فتح الطريق المؤدية إلى إحدى التلال في البلدة، وذلك بالتنسيق مع قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان – اليونيفيل و أثناء عمل الوحدة، أطلق عناصر القوات المعادية النار في الهواء على مقربة من عناصر الجيش لإجبارهم على الانسحاب، غير أن عناصر الوحدة تابعوا عملهم، فيما جرى تعزيز الانتشار في مواجهة العدو حتى فتح الطريق”.

وأثارت الغارة على الضاحية الجنوبية ردوداً ومواقف متخوفة من التصعيد، فكتبت المنسقة الخاصة للامم المتحدة في لبنان جنين هنيس بلاسخارت على صفحتها على منصة “اكس”: “غارة جديدة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت هذا الصباح. في ضوء الخطوات الإيجابية التي تتخذها الحكومة اللبنانية، إلى جانب العودة التدريجية للنازحين إلى شمال إسرائيل، فإن المزيد من التصعيد هو آخر ما يحتاجه أي طرف. يبقى القرار 1701 المسار الوحيد القابل للتطبيق للمضي قدماً”.

غير أن عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب علي عمار لوّح بالرد خلال تفقده مكان الاعتداء الإسرائيلي في الضاحية، وقال إن “العدوان الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت ليس جديدًا، بل هو امتداد لاعتداءات مستمرة لم تتوقف، سواء قبل صدور القرار 1701 أو بعده”، مشيرًا إلى أن “العدو الإسرائيلي أثبت دائمًا أنه لا يرتدع ولا يحترم القرارات أو الاتفاقيات الدولية التي من المفترض أن تقيّد ممارساته العدوانية”، مشدداً على أن “هذا العدو لا ينفع معه سوى لغة المقاومة، ولغة الصمود والثبات”. وأضاف “أن حزب الله يمارس أقصى درجات الصبر والتريث في التعامل مع العدو، إلا أن لهذا الصبر حدودًا”، مؤكدًا أن “المقاومة لا تزال قائمة ومستمرة، وهي في جهوزية تامة لمواجهة أي عدوان جديد”، لافتاً إلى أن “بعض الجهات في الخارج، ومعها أدوات في الداخل، تحاول تصوير المقاومة بأنها ضعيفة أو مهزومة، إلا أن الحقيقة عكس ذلك تمامًا، إذ أكد أن المقاومة بكامل قوتها واستعداداتها”. وشدد على أن “هذا ليس مجرد خطاب معنوي، بل هو جزء من مسؤوليتها الدائمة في الاستعداد لأي عدوان إسرائيلي يستهدف لبنان”.

 

مواقف الرؤساء

وعقب هذا التطور التقى رئيس الجمهورية العماد جوزف عون رئيس الحكومة نواف سلام في قصر بعبدا وبحثا في سبل مواجهة تداعيات العدوان الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية. كما تداولا نتائج زيارة رئيس الجمهورية لباريس وزيارة رئيس الحكومة للمملكة العربية السعودية.

وكان الرئيس عون دان الغارة واعتبر “أن هذا الاعتداء على محيط بيروت، للمرة الثانية منذ اتفاق 26 تشرين الثاني الماضي، يشكل إنذاراً خطيراً حول النيات المبيتة ضد لبنان، خصوصاً في توقيته الذي جاء عقب التوقيع في جدة على اتفاق لضبط الحدود اللبنانية- السورية، برعاية مشكورة ومثمنة من قبل المملكة السعودية. كما أتى بعد زيارتنا باريس والتطابق الكامل الذي شهدته، في وجهات النظر مع الرئيس ماكرون”. وقال: إن التمادي الإسرائيلي في عدوانيته يقتضي منا المزيد من الجهد لمخاطبة أصدقاء لبنان في العالم، وحشدهم دعماً لحقنا في سيادة كاملة على أرضنا، ومنع أي انتهاك لها من الخارج، أو من مدسوسين في الداخل، يقدمون ذريعة إضافية للعدوان كما يقتضي مزيداً من الوحدة الداخلية”.

كما دان الرئيس سلام العدوان الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت، وأعتبر أنه “يشكل انتهاكاً صارخاً للقرار الأممي 1701 الذي يؤكد سيادة لبنان وسلامته، كما هو يشكل خرقاً واضحاً للترتيبات الخاصة بوقف الأعمال العدائية التي تم التوصل اليها في تشرين الثاني الماضي”.

وبدوره أكد رئيس مجلس نواب نبيه بري أن “الغارة الإسرائيلية الغادرة ليست خرقاً  يضاف إلى الـ2000 خرق إسرائيلي لبنود وقف اطلاق النار والقرار الأممي 1701 فحسب، بل هي عدوان موصوف على لبنان وعلى حدود عاصمته بيروت في ضاحيتها الجنوبية، وقبل أي شيء آخر هي محاولة إسرائيلية بالنار والدماء والدمار لاغتيال القرار الأممي ونسف آليته التنفيذية التي يتضمنها الاتفاق، والذي التزم به لبنان بكل حذافيره، وهو استهداف مباشر لجهود القوى العسكرية والأمنية والقضائية اللبنانية التي قطعت شوطاً كبيراً بكشف ملابسات الحوادث المشبوهة الأخيرة في الجنوب والتي تحمل بصمات إسرائيلية في توقيتها وأهدافها وأسلوبها”.