
دور المرأة في “أمة الحزب”: جهاد ونضال في ظل قيادة الرجال
في 28 آذار 2025 أعلنت وزارة الخارجية الأميركية فرض عقوبات على شبكة لبنانية تعمل على التهرب من العقوبات لدعم الفريق المالي لـ«حزب الله»، هذا الخبر ليس بجديد من حيث فرض عقوبات، إنما ما هو جديد ومميز ورود أسماء ثلاث نساء هم فاطمة عبدالله أيوب وحوراء عبدالله أيوب ومحاسن محمود مرتضى على لائحة العقوبات.
هذا الخبر بالإضافة، إلى المشاركة النسائية الحاشدة والمؤثرة في تشييع السيدين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في 23 شباط 2025 في المدينة الرياضية، ومشاركة النساء «الحزبيات» الفعالة والرائدة في حملات المواجهة الأهلية في المناطق الحدودية مع وقف إطلاق النار، ألقى الضوء على دور المرأة في هيكلية ورؤية ونهج «حزب الله» وأمته، وشجّع على الغوص في ذاكرة «حزب الله» للحصول على سرد تاريخي وتوثيقي لواقع ودور النساء في أمة تستظل بقيادة وإرشاد الرجال.
الهيئات النسائية بين النشأة والتنظيم
أعادت هذه الأخبار الذاكرة الى الأيام الأولى لانتصار الثورة الإسلامية في إيران، فبحسب كتاب “المرأة الشيعية في لبنان خصوصية الهوية والكفاح المستمر” الصادر عن “أمم للتوثيق والأبحاث” عام 2023، شاركت النساء في التظاهرات اللبنانية المؤيدة لانتصار الثورة الإسلامية في شباط 1979 بقوة وفعالية، وبخاصة التظاهرة النسائية في 17 شباط التي نظمتها
“اللجان المساندة للحركة الإسلامية في إيران” من الغبيري وصولاً إلى السفارة الإيرانية، حيث شكر الشيخ راغب حرب باسم الخميني والقائم بالأعمال في السفارة المتظاهرات على تأييدهن للخميني، كما كان هناك تأكيد للمشاركات في التظاهرة على كفاح المرأة المسلمة في إيران والإقتداء بها.
بسرعة ووضوح ظهرت أهمية العنصر النسائي في مسيرة مشروع تصدير الثورة، ففي الذكرى الثانية لانتصار الثورة الإسلامية في إيران، رفع “علماء الدين المناضلون في لبنان” شعار “المرأة المسلمة … تصلي … تناضل … تقاتل” تحفيزاً للمرأة في الثورة الإسلامية ومشاريع تصديرها ولا سيما إلى لبنان، وبدأ يتمظهر العمل النسائي المنظم والفاعل في نضال وجهاد التيار الإسلامي الإيراني في لبنان، فقد كانت هناك مشاركة محورية للنساء في الاعتصامات والمسيرات والمواجهات، كما حصل في اعتصام مسجد الإمام الرضا في بئر العبد في أيار 1983، وكذلك من خلال اللجان الإسلامية، وصولاً إلى ظهور مسمى “الهيئات النسائية الإسلامية” كإطار نسوي داخل هذا التيار الذي تبلور في شباط 1985 تحت مسمى “أمة حزب الله” وترافق هذا الإعلان مع حراك مسلح في صيدا ضد الشرعية اللبنانية شاركت فيه نسوة “حزب الله” بوضوح وفعّاليه حيث قامت بعض النسوة التي تحمل العلم الإيراني وصورة الشيخ راغب حرب بحرق العلم اللبناني في التظاهرة.
كان الإطار الديني من ركائز العمل النسائي في “أمة حزب الله”، فبحسب كتاب “المرأة الشيعية في لبنان”، أسس الأمين العام السابق لـ “حزب الله” السيد عباس الموسوي عام 1979 أول حوزة علمية للنساء في لبنان “مدرسة الزهراء الدينية” في بعلبك، ليصبح في عام 2024 عدد الحوزات النسائية حوالى 30 حوزة، ويحق لـ “المجتهدة” الإلمام بالشريعة أصولاً وفروعاً، أما التقليد وحق الإفتاء لعموم الناس فهو خاص بالرجل عملياً.
يتنوع عمل “الهيئات النسائية” بين ديني وثقافي واجتماعي وتربوي وإغاثي وصحي وإنساني وتنظيمي وصولاً إلى التنموي والحرفي والاقتصادي. ويتم ذلك من خلال التنسيق مع المؤسسات المتخصصة في بنية “حزب الله” وإطاره.
وعملت تلك الهيئات بشكل مكثف ودؤوب على استقطاب العنصر النسائي داخل المجتمع الشيعي في لبنان، من دون تظهير إطار تنظيمي لتلك الهيئات حتى عام 1992 مع إطلاق المؤتمر السنوي الأول في 25 كانون الأول تحت عنوان “مؤتمر الزهراء»”، حيث ألقى فيه عبد الله قصير كلمة “الهيئات النسائية المركزية” في “حزب الله».
اهتم “حزب الله” بعملية التحشيد والتحفيز والتثقيف والأدلجة للعمل النسائي فيه، فأنشأ بدءاً من عام 1996 معاهد “سيدات نساء العالمين الثقافية”، ومن ثم تم إلحاق تلك المعاهد بشبكة المعارف الإسلامية بعد إنشائها عام 2003، والتي عنيت بكافة أبواب “أمة حزب الله” الثقافية والفكرية والدينية والإيديولوجية، وأضحى عدد تلك المعاهد يفوق الـ 25 معهداً في البقاع والجنوب وبيروت والضاحية الجنوبية وجبيل والشمال.
شهد عام 2005 إعطاء “نساء الولاية” بعض المهام التنظيمية، فتم تعيين امرأة في عضوية المجلس السياسي، وفعّل دور الهيئات النسائية عبر تحويلها من قسم إلى وحدة مركزية برئاسة عفاف الحكيم مسؤولة تلك الهيئات.
جهاد “نساء الولاية”
ترافق العمل الجهادي النسائي في “أمة حزب الله” مع تحديد إطار هذا العمل ضمن أدبيات هذه الأمة، ففي كتيب “يوم المرأة المسلمة” الصادر عن “الهيئة النسائية في مسجد الإمام المهدي في الغبيري” عام 1984، عشرون وصية للمرأة المسلمة من أحد منظري الثورة الإسلامية في إيران حجة الإسلام هادي مدرسي، يحفزها على العمل الإسلامي الديني والسياسي وفق الأطر الشرعية وولاية الفقيه القائد، شأنها شأن الرجال، ويؤكد على دورها في مقارعة الرجال، فيقول “سجلي حضورك في الساحة مع الرجال ومن دون الرجال وليكن أساسياً فيها. فإن الله لو لم يكن يريد للمرأة دوراً أساسياً لما خلق الرجال عن طريقها”.
ويضيف: “كوني رجلاً حين لا رجال، فإن الرجولة ليست رجولة الجسد، بل رجولة الوعي والموقف”، ويدعوها للتمرد على العادات والتقاليد والزوج والعائلة قائلا: “إن رضى الله فوق رضى المخلوق، وليس لأهلك ولاية عليك حينما يتعارض مع حكم الله”.
وفي كتيب “المرأة المسلمة والمقاومة” الصادر عن الهيئات النسائية الإسلامية عام 1985، تشديد على دور الأم المسلمة “في عملية الدفع نحو المقاومة، وإعطاء الزخم لأولادها، فالأم التي تسترخص ابنها في سبيل العقيدة وفي سبيل الأرض، هي التي تستحق بالفعل خير وسام”، وتأكيد أن “المجاهدة الجنوبية تَعتبر مسؤولية الجهاد تَكليفاً شرعياً منوطاً بها كالرجل تماماً وولاءها للقيادة العلمائية كالرجل تماماً”.
وفق كتاب “المرأة الشيعية في لبنان”، فإن نسبة النسوة في قاعدة “حزب الله” 50 %، وتعمل اللجان النسائية التابعة للهيئات النسائية كجيش بمهمات “ناعمة”، فالمحازبات يؤدّين أدوارهن “داخل البيوت والأحياء والجامعات والثانويات في محاولات لاستقطاب النساء وجمع المعلومات وتعبئة بيانات يتم جمعها دورياً عن المقيمين في مناطق نفوذ “حزب الله”، وتأمين أمن تجمعات المناسبات الدينية للنساء من تفتيش ومراعاة الضوابط الشرعية.
وبحسب الباحثة بادية فحص، فإن المرأة في “حزب الله”، “مخدوعة لاعتقادها أن لها مكاناً في العمل سياسي […]، لكنها ضمناً تعمل وفق مفهوم ذكوري خطط له الرجل صاحب السلطة ونسقه على قياسه ورغباته. لذا فهي آلة تنفيذ، تتبنى هذه الأفكار وتنقلها دون أن تشارك في وضعها”
ومن هنا يُطرح السؤال، هل سيأتي يوم تتبوأ فيه المرأة سدة قيادة “أمة حزب الله”؟ سؤال دونه الإيجاب الواقع والمعتقد.