تصعيد إسرائيليّ من دون خطوط حمر

تصعيد إسرائيليّ من دون خطوط حمر

الكاتب: ملاك عقيل | المصدر: اساس ميديا
2 نيسان 2025

بغضّ النظر عن المعطى الإسرائيلي الدّاخلي الذي واكب الاستهداف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية فجر الثلاثاء، والذي قاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى التراجع عن قرار تعيين رئيس “الشاباك” إيلي شارفيت الذي افتتح مهامّه بضرب الضاحية، يمكن التأكيد أنّ التصعيد الإسرائيلي ضدّ لبنان انتقل إلى مرحلة من دون سقوف وضوابط، في ظلّ غطاء أميركي مستمرّ لكلّ العمليّات العسكرية للعدوّ.

 

أدّت الضربة الإسرائيلية الأخيرة في الضاحية التي استهدفت معاون مسؤول الملفّ الفلسطيني في “الحزب” حسن بدير، في منطقة حي ماضي، إلى تكريس أمرين أساسيَّين:

– توسيع العدوّ الإسرائيلي مفهومه لـ”الذرائع” لتنفيذ عمليّات عسكرية، واستكمال مخطّطه ضدّ “الحزب”. فقد قدّم من جهته ذريعة، باعتبار “حسن بدير، أحد عناصر الوحدة 3900 في الحزب وفي فيلق القدس، مسؤولاً عن توجيه عناصر من حماس لتنفيذ مخطّط إرهابي خطير ضدّ إسرائيليّين في المدى الزمني الوشيك”.

بهذا المعنى، انضمّت الضاحية إلى القرى والبلدات الجنوبية، التي شهدت منذ بدء وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني الماضي، عشرات الاغتيالات لمسؤولين في “الحزب”. وهي الضربة الثانية، في أقلّ من أسبوع، التي تتعرّض فيها الضاحية للاستهداف، بعد تدمير مبنيَين سكنيَّين في منطقة الجاموس، وهو ما يشير إلى احتمال قويّ أن تدخل الضاحية مدار الاستهداف المستمرّ، من دون ضوابط تحيّد أحداً حتّى المدنيين، وتفتح الباب أمام السؤال الكبير عن مدى صمود “رهان” “الحزب” على الحكومة والدولة في تبنّي الخيار الدبلوماسي في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.

– للمرّة الأولى رَبَط العدوّ الإسرائيلي، من خلال استهداف حسن بدير، بين “الحزب” وحركة “حماس”، وخلفهما “فيلق القدس”، لناحية التنسيق العسكري المرتبط بالتخطيط لاستهداف إسرائيل.

يشير مطّلعون إلى أهمّية التوقيت، بعد عمليّتَي إطلاق صواريخ من جنوب لبنان في 22 و28 آذار، الذي ارتبط بمعطيَين:

1- موقف بارز صدر عن رئيس الجمهورية جوزف عون بتبرئة “الحزب” من مسؤولية إطلاق الصواريخ، وذهب إلى حدّ تسمية جهة فلسطينية قد تكون متورّطة بالأمر خلال مداولات جلسة مجلس الوزراء الأخيرة.

2- إدانة قوى داخلية لبنانية، من أخصام “الحزب”، ومنهم نواب ووزراء، كلام الرئيس عون، بشكل مُستفزّ وخارج عن الأصول، وروّجت لوجود غرفة عمليات مشتركة بين الحزب و”حماس” حمّلتها مسؤولية إطلاق الصواريخ على مستعمرتَي المطلّة وكريات شمونة.

 

اللافت، من ضمن البيان الاستنكاري الذي أصدره الرئيس نبيه بري أمس حيال “نسف إسرائيل القرار الأممي وآليّته التنفيذية”، إشارته إلى قطع القوى العسكرية والأمنيّة والقضائية “شوطاً بكشف ملابسات الحوادث المشبوهة (إطلاق الصواريخ)، التي تحمل بصمات إسرائيلية في توقيتها وأهدافها وأسلوبها”.

إنذار خطير

في ظلّ دعم واشنطن المطلق لإسرائيل، الذي حمّل “الإرهابيّين” مسؤوليّة استئناف الأعمال القتالية في لبنان، كما قالت وزارة الخارجية الأميركية، وتنامي مؤشّرات احتمال استئناف إسرائيل للحرب العسكرية ضدّ لبنان، أتت المواقف الرسمية لكلّ من رئيسَي الجمهورية والحكومة أمس في سياق التموضع المستمرّ في “مربّع الدبلوماسية”، فتحدّث الرئيس عون عن “إنذار خطير من النيّات المبيّتة ضدّ لبنان”، معتبراً أنّ “التمادي الإسرائيلي في عدوانيّته يقتضي منّا المزيد من الجهد لمخاطبة أصدقاء لبنان في العالم، وحشدهم دعماً لحقّنا”، وأشار إلى “مدسوسين في الداخل يقدّمون ذريعة لإسرائيل”.

في المقابل، لا يزال “الحزب”، بموقفه المعلن، يَضع المسؤولية في ملعب الحكومة ورئيس الجمهورية، “لكنّ الأمر لا يجوز أن يبقى عند حدّ الإدانة فقط، والفرصة ليست مفتوحة”، كما قال أمس النائب إبراهيم الموسوي.

التّصدّع الدّاخليّ

هذا الواقع الذي يَفرضه الإسرائيلي بدأ يوسّع رقعة التصدّعات الداخلية ضمن فريقين أساسيَّين في الحكومة هما “الحزب” و”القوات اللبنانية”. في هذا الإطار تفيد معلومات بأنّ نواب “الحزب” يتّجهون لمساءلة وزير الخارجية جو رجّي المحسوب على رئيس “القوات” سمير جعجع، ورقعة المواجهة تتّسع بين جبهة الثنائي الشيعي وبعض “نواب التغيير” المقرّبين من رئيس الحكومة.

هنا تشير مصادر مطّلعة إلى أنّ “المرحلة المقبلة ستشهد، على وقع تخطّي إسرائيل لكلّ الخطوط الحمر بدعم أميركي واضح، استحقاقين أساسيَّين”:

– الأوّل مدى صلاحيّة “الحاضنة” الأميركية لعهد الرئيس عون، التي كرّست مسار انتخاب رئيس الجمهورية وتأليف حكومة جديدة، وذلك على أساس توفير واشنطن لمقوّمات استقرار العهد الجديد عبر إلزام إسرائيل بتنفيذ الجزء المرتبط بها لوقف إطلاق النار، وفتح أبواب الدعم الدولي، وأيضاً مدى تأثير الانفلات الإسرائيلي في مواجهة “الحزب”، من دون أيّ ضوابط، على استقرار العهد وتنفيذ الأجندة الإصلاحية المطلوبة منه، في ظلّ مخاطر تزداد يوميّاً باندلاع الحرب المفتوحة مجدّداً.

– رفع منسوب الاحتقان الداخلي على أكثر من مستوى، وذلك في ظلّ محور داخلي بات يُطالب صراحة بنزع سلاح “الحزب” بالقوّة شمال الليطاني وفي البقاع والضاحية. في المقابل، لم تظهر أيّ مؤشّرات حتّى الآن تفيد بالتوجّه لعقد طاولة حوار وطني حول السلاح، مع العلم بأنّ بعض القوى السياسية تجاهر مسبقاً برفضها لذلك، من منطلق: “فليسلّم “الحزب” سلاحه أوّلاً، ثمّ نتحاور”.