ترامب إلى الرّياض… مركز “الجاذبيّة”..

ترامب إلى الرّياض… مركز “الجاذبيّة”..

الكاتب: عبادة اللدن | المصدر: اساس ميديا
2 نيسان 2025

ستكون السعودية، للمرّة الثانية، أوّل دولة يزورها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد دخوله البيت الأبيض. لكنّ الزيارة الثانية، المتوقّعة منتصف أيّار المقبل، ستقدّم الرياض بدورٍ جديد يتجاوز التحالف التقليدي مع واشنطن، بعدما جعل وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من الرياض مركزاً للجاذبيّة في صناعة السياسات الدولية.

تعبّر الزيارة الأولى عن أولويّات السياسة الخارجية الأميركية وركائز العلاقات الوثيقة التي يبني عليها الرئيس نظرته إلى العالم. اختار جو بايدن بريطانيا محطّةً لزيارته الأولى قبل أربع سنوات (حزيران 2021)، للتعبير عن اهتمامه بتوثيق التحالف التقليدي العابر للأطلسي، فيما كانت الحرب الأوكرانية تلوح في الأفق. حينها كانت واشنطن تصنّف الصين وروسيا في رأس التحدّيات الاستراتيجيّة، عسكرياً وأمنيّاً واقتصادياً. وليس مصادفة أن شارك بايدن في تلك الزيارة في قمّة “مجموعة السبع”، التي كانت تشكّل المنصّة الأساس لممارسة النفوذ الأميركي، وهي المنصّة ذاتها التي تمّ من خلالها فرض العقوبات على روسيا إثر اندلاع الحرب الأوكرانية بعد أشهر قليلة.

منصّة من نوع آخر

تشكّل الرياض منصّة من نوعٍ آخر لتحقيق الاختراقات الدبلوماسية وعقد الصفقات الكبرى، وإرساء توازنات جديدة في البيئة الجيوسياسية الدولية.

كانت زيارة ترامب للسعودية في ولايته الأولى عام 2017 كسراً للتقليد السائد منذ الستّينيات، حين كان الرؤساء يبدأون زياراتهم بالجارَيْن الأقربين في أميركا الشمالية، كندا أو المكسيك، أو الحليف الأقرب على الضفّة الأخرى من الأطلسي، بريطانيا، أو على الضفّة الأخرى من المحيط الهادئ، اليابان. أتى ترامب إلى الرياض ليجدها الركيزة للعلاقة مع خُمس البشرية. فانعقدت هناك ثلاث قمم: سعودية – أميركية، وخليجية – أميركية، وعربية – إسلامية أميركية.

بعد ثماني سنوات، تقوم الرياض بدورٍ في العلاقات الدولية لا سابق له. فللمرّة الأولى يجد العرب أنفسهم في قلب إعادة تشكيل الفضاء الجيوسياسي الدولي، من خلال استضافة المملكة للمحادثات الأميركية – الروسية والأميركية – الأوكرانية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وإعلانها مكاناً مفضّلاً للقمّة المرتقبة بين الرئيسين الأميركي والروسي عندما تكتمل عناصر الاتّفاق.

اللافت أنّ جولة ترامب المتوقّعة منتصف أيّار المقبل، ستشمل الإمارات وقطر، ولن تشمل، حتّى الآن، إسرائيل أو أيّاً من حلفاء أميركا التقليديين في أوروبا أو الناتو. وهو ما يعكس الثقل الذي تحتلّه منطقة الخليج في أولويّات الإدارة الأميركية، وفي صناعة الحلول لثلاثة ملفّات كبرى على الأقلّ: الحرب الأوكرانية، والقضيّة الفلسطينية، والمواجهة مع إيران.

تحوُّل في موقع السّعوديّة

تعبّر زيارة ترامب عن تحوّلٍ عميق في موقع السعودية على الساحة الدولية، من حليف تقليدي للولايات المتحدة إلى “مركز للجاذبية” في العلاقات بين القوى العظمى. فالعلاقة بين واشنطن والرياض قامت أساساً في عهد الملك المؤسّس عبدالعزيز آل سعود، على المصالح النفطية، من خلال تأسيس شركة “أرامكو”، وامتدّت إلى شراكة عسكرية وأمنيّة لحفظ موثوقيّة إمدادات الطاقة للاقتصاد العالمي.

لكنّ السعودية، في ظلّ قيادة محمد بن سلمان، تصوغ دورها الدولي على ركائز متعدّدة، ليس قطاع الطاقة إلّا واحداً منها.

سلاح الاستثمار الضّارب

تحوّلت الرياض من مستثمر صامت في الأسواق الدولية خلال العقود الماضية (عبر محفظة مؤسّسة النقد العربي السعودي)، إلى مستثمر نشط عبر صندوقها السيادي، “صندوق الاستثمارات العامة”، الذي بات خلال سنوات قليلة قوّة ضاربة تضجّ الأسواق بأيّ حركة يقوم بها، وتطمح كبريات الشركات والبنوك في “وول ستريت” إلى التعاقد معه. وتكفي قراءة أسماء المشاركين في المؤتمرات الاستثمارية التي ينظّمها الصندوق في الرياض وميامي سنويّاً لملاحظة مدى نفوذه في عواصم المال والأعمال.

القوّة الدّاخليّة

من الأخطاء الشائعة أنّ العلاقة الأميركية – السعودية تقوم حصراً على المصالح الاستثمارية، على أساس الربط بين الزيارة والإعلان عن شراكات استثمارية وتجارية بين البلدين بـ600 مليار دولار على مدى أربع سنوات. فعلى الرغم من أهميّة هذا البعد، لا يصلح وحده لفهم تطوّرها. فثمّة دول عظمى أعلنت عن استثمارات ضخمة، منها اليابان التي تعهّد رئيس وزرائها باستثمار تريليون دولار في الولايات المتحدة. وثمّة استثمارات أعلنت عنها شركات عملاقة، منها “أبل” التي تعهّدت وحدها باستثمار نصف تريليون دولار في الداخل الأميركي على مدى أربع سنوات.

لذلك القصّة في السعودية أشمل من هذا البعد التبادليّ، والجزء الأهمّ فيها هو التغيير الهائل في ظلّ رؤية 2030. فقد كانت السنوات الثماني الماضية كافية لتحقيق تغيير جذري في صورة المملكة، بما هي قوّةٌ اقتصادية يفوق حجم ناتجها المحلّي تريليون دولار، وتحقّق أحد أعلى معدّلات النموّ ضمن مجموعة العشرين، وتنفّذ أضخم المشاريع التطويرية في العالم، من نيوم إلى قلب الرياض، ودولةٌ تشقّ طريق الحداثة وتمكّن المرأة في المجتمع وفي سوق العمل، وتحلّ في أعلى المراكز عالميّاً من حيث الحكومة الإلكترونية والتنافسية في اجتذاب الاستثمارات الدولية.

أسواق الطّاقة

انتقلت السعودية في العقد الماضي إلى مستوى جديد في قيادة استقرار أسواق الطاقة الدولية من خلال تحوُّل دقيق وذكيّ. ففيما كانت حصّة منظّمة “أوبك” تتراجع نسبيّاً إلى أقلّ من 30% من الإنتاج العالمي للنفط، مع تدفّق كميّات هائلة من إنتاج النفط الصخريّ في أميركا، قادت الرياض تحوّلاً هادئاً بإدخال روسيا إلى تحالف “أوبك +”، لتضرب بذلك عصافير متعدّدة بحجرٍ واحد.

لقد أنشأت بذلك تحالفاً استراتيجيّاً مع موسكو يمتدّ من الطاقة إلى مجالات أخرى، وجعلت من “أوبك +” مرتكز الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية والمحاور الأساسي لأرباب الصناعة النفطية الأميركية، النافذين في دوائر القرار. وبعدما كانت “أوبك” محلّ انتقادات في الكونغرس، بات الدور السعودي حاجة للأميركيين وخصومهم على حدّ سواء للحفاظ على استقرار السوق وتوازنها.

مفتاح العالمَيْن العربيّ والإسلاميّ

أثبتت الرياض أنّها القائد الفعليّ للعالمَين العربي والإسلامي، وأنّها الركيزة والمفتاح لعلاقة القوى الدولية بهما. وبات الأمر واضحاً للولايات المتحدة، بغضّ النظر عن تداول السلطة بين الديمقراطيين والجمهوريين. وليس أدلّ على ذلك من التحوّل في توجّهات الإدارة السابقة في البيت الأبيض من نبرة معادية كان يجاهر بها بايدن تجاه السعودية، إلى جعلها محوراً لكلّ المبادرات الأميركية في الشرق الأوسط في النصف الثاني من ولايته.

حلّ الدّولتين

ربطاً بالنقطة السابقة، بالإمكان الملاحظة أنّ أكثر الجمهوريّين غلوّاً في تأييد إسرائيل لا يستطيعون تجاوز حقيقة الحاجة إلى تلبية الشروط السعودية في أيّ حلّ مستدام للصراع في الشرق الأوسط، وفي رأسها العودة إلى مسار “حلّ الدولتين”، الذي وضعته الرياض شرطاً لأيّ حلّ سلمي في المنطقة. وهذا ما يشكّل معضلة للحكومة اليمينيّة في إسرائيل.

 نقطة التّوازن الدّوليّة

أسّست الرياض على عناصر قوّتها لتصبح نقطة الارتكاز الأكثر اتّزاناً في صناعة السياسات الدولية. تبدو المملكة اليوم دولة بلا أعداء، بل أقرب إلى أن تكون نقطة توازن في ثنائيّات متعدّدة: بين أميركا روسيا، وبين روسيا وأوكرانيا، وبين أميركا والصين، وبين روسيا وأوروبا. بل إنّ الحوار مع إيران في السنوات الماضية كان مفيداً لتحييد المنطقة عن آثار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في الساحة اليمنية وغيرها.

على أساس عناصر القوّة هذه، تبني السعودية موقعها الجديد ليكون نقطة ارتكاز بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب. وسيوفّر هذا الدور للرياض وزناً ستستخدمه حين تحين لحظة إرساء التوازنات الجديدة وصياغة الحلول المستدامة في المنطقة. فمن يحضر قسمة النفوذ يقتسم.