شركات تستغل الدولة والمواطن… هل ينطلق قطار إصلاح الاتصالات؟

شركات تستغل الدولة والمواطن… هل ينطلق قطار إصلاح الاتصالات؟

الكاتب: لوسي بارسخيان | المصدر: المدن
29 آذار 2025
في أحد لقاءات وزير الاتصالات شارل الحاج مع ممثلي شركات خدمات الداتا الـDSP جرى عرض أسس العلاقة معها ومع شركات توزيع الانترنت الـISP، ولم يتردّد حينها الموزعون بتأكيد التزامهم بالأصول القانونيّة لإنهاء ظاهرة الإنترنت غير الشّرعي. ولكن ماذا لو كانت الشركات الخاصة التي تتولى إدارة واستثمار الامتيازات العامة، هي أيضاً ممن يتحايل على القوانين، ويسهم بحرمان خزينة الدولة من مداخيلها، مع تكبيد المواطن كلفة عالية؟.

نموذجان في وزارة الاتصالات وضعا تحت الضوء مجدداً نتيجة إثارتهما في تقريرين صدرا عن هيئات قضائية. الأول صدر عن ديوان المحاسبة، والثاني عن هيئة التشريع والإستشارات. ومع أن لكل منهما حيثيات مختلفة، ولكن خلاصتهما شاهد على ما هدر من أموال عامة، في صفقات وتلزيمات انقلب الفائزون فيها على القوانين أو العقود الموقعة، في سعي حثيث لملء الجيوب الخاصة.

الإيرادات المحصلة
وبالحديث عن قطاع الإنترنت أولاً، كانت المفارقة أن يتزامن اجتماع وزير الاتصالات بممثلي شركات الـ DSP مع صدور رأي استشاري عن هيئة التشريع والاستشارات، حول طريقة استيفاء المديرية العامة للاستثمار والصيانة نسبة الـ25 في المئة التي تحددها القوانين لقاء الترخيص لشركات نقل المعلومات.

بدا طلب هذا الرأي من قبل الوزير السابق جوني القرم مستغرباً خصوصاً أن المرسوم 9472 الصادر منذ العام 2022 واضح في مادته الخامسة لجهة استيفاء المديرية لقاء الترخيص من مجموع فواتير القبض الصادرة عن الشركات، أي من مجمل الإيرادات المحصلة، ومن دون حسم أية مبالغ لقاء الاشغال او التجهيزات والخدمات التي تقدمها. وهذه الطريقة اعتبرها المشرع “أفضل من البدل المقطوع”، أي دفع ثمن الرخصة لمرة واحدة لدى الحصول عليها، و”الذي غالبا ما يبخس الدولة حقها مهما ارتفعت قيمة البدل”.

غير أن هذا ليس المطبق من الشركات منذ صدور المرسوم المذكور، أي ثلاث سنوات. بل تبين أنها عمدت، ومنذ سنوات، إلى إدخال حصة الدولة من إيرادات الشركات، والمحددة بـ 25 في المئة، من ضمن كل فاتورة يدفعها المشترك، وذلك قبل تطبيق واحتساب الضريبة على القيمة المضافة. أي أنها عملياً حمّلت المواطن ثمن رخصتها.

استغلال الدولة والمواطن
ولا ينتهي الأمر عند ما ذكر. بل بعد تكبيدها المواطن ثمن الترخيص، لا تجري الشركات عملية حسابية دقيقة لتسديد حصة الدولة من الإيرادات المحققة من قبلها.

وتبسيط الأمر أكثر كما فعل الرأي الاستشاري، يوضح عملياً أنه يجب على الشركات أن تسدد نسبة 25 في المئة من إيراداتها إلى المديرية العامة للاستثمار. فإذا كانت كلفة الاشتراك التي تتلقاها من المشترك هي مئة دولار يجب أن تسدد 25 دولاراً للدولة ما يبقي لها 75 دولاراً. ما فعلته الشركات أنها حافظت لنفسها على المئة دولار، وضمّنت الفاتورة حصة الدولة من الإيرادات المفترضة وحملتها للمواطن، فارتفعت بذلك فاتورة المواطن إلى 125 دولاراً. وبدلاً من احتساب حصة الدولة من قيمة الفاتورة النهائية أي الـ125 دولاراً، أصرت الشركات على أنها لن تدفع للمديرية سوى مبلغ الـ25 دولاراً، بينما وفقاً لعرض وزارة المالية فإن الحصة بالنسبة المئوية المحددة يجب أن ترتفع إلى 31.5 دولار.

استحضرت الشركات بتوجهها هذا أداءها في تسديد الضريبة على القيمة المضافة، التي توجب تضمين كل فاتورة مقدار الضريبة ويتم تسديدها دفعة واحدة. بينما هذا الاستحضار وفقاً لهيئة التشريع لا ينطبق على نسبة الـ25 في المئة التي هي بدل ترخيص للشركات، أي أنها بمثابة كلفة تشغيلية يجب حسمها من إيرادات الشركة لقاء خدمات عديدة تتيحها لها هذه الرخصة ومن ضمنها إشغال الأملاك العامة.

مع أن الإستشارة قدمت بحق خمس من الشركات المذكورة وهي  GLOBAL DATA SERVICE, WAVES, CABLE ONE, PESCO TELECOM يبدو أنها شكلت نهجاً معمماً في تحميل المواطن أعباء تكلفة إضافية لتأمين خدمة الانترنت من دون ان تستفيد الدولة من مداخيلها. هذا وفقاً لمصدر خبير في الاتصالات “يشكل عملية احتيال مزدوجة”.

هذا في وقت بدا مستهجناً لهيئة الاستشارات أن تستند الشركات في تبريرها لأدائها، إلى ترخيص أبطل من قبل مجلس شورى الدولة منذ سنة 2010 لبيان طريقة الاحتساب نفسها. فدانت الشركات على افتقادها للكياسة التي يجب التحلي بها في التعاطي مع الإدارة اللبنانية ومع الهيئة والمستشار القضائي المستقل للدولة.

عمليات تحايل متواصلة
استشارة الهيئة في المقابل، شكلت تأكيداً إضافياً على ما يتعرض له قطاع الانترنت من عمليات تحايل متواصلة بدءاً من أعلى هرم شركات الداتا حتى أصغر “ديوك الأحياء” الذين تناولتهم تقارير سابقة لديوان المحاسبة وهيئة التشريع. بينما النزعة المستفحلة لنهش موارد الدولة، تبدو كنمط سائد يحاول أن يبرر الخطأ المرتكب بخطأ آخر سبقه، وهذا ما يحصل أيضاً في علاقة شركتي الإتصال ألفا وتاتش مع مقدمي خدمة الرسائل النصية القصيرة عبر التطبيقات أو ما يعرف بالـA2P.

لا شك أن مقولة “المال السائب يعلم الناس الحرام” لم تولد من عدم. وما يجري في تلزيمي خدمة الـ A2P عبر شركتي تاتش وألفا قد يكون مثالا بارزا آخر على تخاذل، حتى لا يقال تواطؤ، في هدر الحقوق المستحقة لخزينة الدولة، وسلوك المعنيين سبل الحلول الإرتجالية، والتي لا تراعي في معظم الأحيان القوانين والأنظمة التي تحمي المال العام.

فبعد المحاباة التي جرت للحفاظ على مكتسبات شركة INMOBILES غير المؤهلة في تقديم الخدمة عبر شركة تاتش، والتي تسببت حتى الآن بخسائر بملايين الدولارات مع تراجع بنوعية الخدمة بنسبة 700 بالمئة وفقا لتقرير داخلي صادر عن شركة تاتش، تناولت المدن تفاصيله سابقا، كانت المفاجأة الأكبر ما كشفه تقرير أخير صدر عن ديوان المحاسبة حول سير شركة  VOX SOLUTIONS الفائزة بالعقد مع شركة ألفا على الخطى نفسها.

فبعد أن ضرب المثل بعقد  VOX SOLUTIONS التي قدمت عرضاً أعلى بسعر 10.5 سنت عن كل رسالة تنقلها من التطبيقات إلى مشتركي الشركة، ملتزمة بحد أدنى من الرسائل يبدأ في السنة الأولى بـ46.6 مليون رسالة، ما سيحقق لتاتش إيرادات بقيمة 4.9 مليون يورو سنويا، لم يمض ستة أشهر على بدء تنفيذها الإلتزام حتى دخلت في جدل مع ألفا لخفض هذا العرض إلى 2.3 مليون يورو أي دون نصف المبلغ الذي تعهدت به مع إمكانية لرفعه إلى 2.5 مليون يورو وفقا لما جاء في كتاب وجهته إلى ألفا. علماً أنها لو قدمت هذا العرض منذ البداية لما فازت بالصفقة التي كانت ستذهب إلى العرض الثاني الأعلى من بعدها، والذي قدم سعراً بـ11 سنتاً عن الرسالة إنما لمجموع رسائل يبلغ 42 مليوناً سنوياً ويبلغ مجموع قيمته 4.6 مليون يورو سنوياً، أي ضعف المبلغ الذي تعرضه VOX بعد أن وضعت العقد في جيبها.

خدمة سيئة
صحيح أن هذا التحايل لا يكبد المواطن تكاليف إضافية مثلما يحصل في التفاصيل المذكورة حول قطاع الانترنت، خصوصاً أن المبلغ الذي تتقاضاه ألفا وتاتش هو لقاء سماحهما للتطبيقات بإرسال الرسائل إلى مشتركيها، إلا أن الضرر الذي يلحق بالمواطن بهذه الحالة هو في الخدمة التي تزداد سوءا كلما تأخرت الدولة في انتزاع حقوقها وحقوق المواطن وفقاً لما نصت عليه قرارات ديوان المحاسبة وخطة الطريق التي وضعتها لذلك. وهذا ما لاحت تباشيره منذ فترة طويلة من خلال شركة تاتش التي يشكو المواطنون بكثرة من عدم تلقيهم رسائل التطبيقات المطلوبة عبرها ومن ضمنها رموز التحقق أو الـ VERIFICATION CODE.

لا شك أن الملفات المطروحة أمام وزارة الاتصالات كثيرة ومعقدة. لكن المواطنين عموماً استبشروا خيراً بعهد ينتظرون أن يكون إصلاحياً. والإصلاح في قطاع الاتصالات يوازي بأهميته بالنسبة لهم ما هو مرجو في قطاع الكهرباء. فهل تبيّض وزارة الاتصالات وجه الحكومة بذلك؟