خاص- إسرائيل تكرّر في سوريا سيناريو 1982 في لبنان

خاص- إسرائيل تكرّر في سوريا سيناريو 1982 في لبنان

الكاتب: إيلين زغيب عيسى | المصدر: beirut24
4 آذار 2025

شكّل سقوط نظام بشّار الأسد بالنسبة إلى إسرائيل، نقطة تحوّل للتخلّص من النفوذ الإيراني في سوريا، ولقطع الإمدادات لـ “حزب الله” في لبنان. ولكنّ وصول قيادة جديدة إلى دمشق وضع تلّ أبيب أمام تحدّ جديد، يكمن في كيفيّة التعامل مع حكم الرئيس أحمد الشرع، وخلفيّته المتطرّفة، وتعاونه الوثيق مع تركيا، المنافسة الأبرز في المنطقة بعد طهران.

استغلّت إسرائيل مرحلة الفراغ التي رافقت انهيار النظام السوري، لتتوغّل بسرعة في الأراضي السورية، وتتمركز في قمة جبل الشيخ، النقطة الأعلى في المنطقة. وأرفقت ذلك باستكمال تدمير البنية العسكرية التي تركها النظام البائد، من مخازن أسلحة ودفاعات جويّة ومراكز أبحاث للصناعات الحربية. وهي بذلك تضمن عدم استعمال القيادة السورية الجديدة لهذه الأسلحة على المدى القريب.

وتقوم إسرائيل في الوقت عينه بإنشاء منطقة أمنية عازلة، على غرار الحزام الأمني الذي أقامته بعد اجتياح لبنان في العام 1982، وبقيت فيه حتّى تحرير الجنوب في العام 2000. وبما أنّ الدولة السورية الوليدة ضعيفة، ومفكّكة، ومنهارة اقتصادياً، ولا تملك جيشاً حتّى الآن، فلا قدرة لديها على الوقوف في وجه إسرائيل، ومنعها من احتلال الأراضي السورية. فهي في طور بناء نفسها من الصفر، بعدما جعلها النظام السابق دولة مارقة ومدمّرة. وهذا الوضع، يرشّح بقاء المنطقة العازلة لوقت طويل، وربّما تتوسّع في اتجاه ريف دمشق الجنوبي، بالتزامن مع منطقة عازلة في جنوب لبنان، أقامتها إسرائيل كنتيجة للحرب الأخيرة، ولا يُعرف متى ستنسحب منها.

وإضافة إلى ذلك، طوّرت إسرائيل خطّة جديدة، تهدف من خلالها إلى إبقاء الدولة السورية في حالة من الفوضى، عبر اللعب على التناقضات الطائفية والمذهبية، بما يهدّد باندلاع حرب أهلية. وهكذا استغلّت حادثة جرمانا جنوب دمشق، لتعلن دعمها للمكوّن الدرزي واستعدادها لحمايته. كما أنّ هناك إشارات إلى أنّها تعمل في الإطار عينه على المكوّن العلوي، وعلى المجموعات الكرديّة.

ويذكّر البعض هنا، باندلاع حرب الجبل في لبنان في أيلول 1983. فما أن انسحبت القوّات الإسرائيلية إلى خطّ نهر الأوّلي، وتركت مواقعها في جبل لبنان، حتّى اندلعت أشرس المعارك بين المسيحيين بقيادة “القوات اللبنانية”، والدروز بقيادة وليد جنبلاط، والمدعومين من “الحركة الوطنية” آنذاك. وأدت “حرب الجبل” إلى وقوع أكثر من 10 آلاف قتيل، كما تمّ تهجير المسيحيين وتدمير قراهم.

واليوم، وبعد ما حقّقته إسرائيل في حرب غزّة، ثمّ في لبنان، وما حصل في سوريا، يبدو بنيامين نتنياهو مصرّاً على عدم إضاعة أيّ فرصة لتسجيل مكاسب “تاريخية”. فهو يريد تهجير الفلسطينيين من القطاع، ويتّكل في ذلك على مشروع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أو ما يشبهه. كما يريد البقاء في النقاط الاستراتيجية في جنوب لبنان إلى أمدٍ غير معروف، يربط توقيته بتجريد “الحزب” من سلاحه في شكل كامل، وزوال أيّ قدرة للحزب على إعادة التعافي، ولو جزئيّاً.

يبقى الموضوع الإيراني، الذي تدرس الدوائر السياسية في إسرائيل والولايات المتّحدة كيفية التعامل معه. فامتلاك طهران للسلاح النووي يُعتبر خطّاً أحمر بالنسبة إلى إسرائيل. وهي لن تتردّد في ضرب المواقع النووية لإزالة أيّ احتمال لأنتاج القنبلة الذرّية الإيرانية. ولكنّها تنظر إلى تركيا في الوقت عينه بقلق، وتخشى من الدعم الذي تقدّمه أنقرة للجارة السورية التي تخضع لحكم ذي توجّه إسلامي غير واضح المعالم بعد. وهذا الوضع يجعل تركيا لاعباً أساسياً في الصراع مع إسرائيل، التي تخشى أيضاً من تطوّر العلاقة بين “حماس” وتركيا أو بين الحركة والقيادة السورية في المستقبل. ومن هنا، فإنّ بقاء النظام الإيراني، ولكن من دون سلاح نووي، يشكّل عنصر توازن مع القوّة التركيّة التي تتعاظم.

إذاً، المنطقة تُرسم من جديد، ولكن على فوّهات براكين قد تنفجر في أي لحظة وفي أشكال مختلفة. ومن هنا، تعتبر الإدارة الأميركية الحالية أن الحلّ الوحيد الذي يضمن الاستقرار الطويل الأمد، هو توقيع المزيد من اتّفاقيات السلام والتطبيع. ولكن، كيف لذلك أن يتحقّق، ما دامت واشنطن لا تراعي المطالب الفلسطينية والعربية، وتضرب بالحقوق عرض الحائط؟