
خاص – أوروبا مذعورة… كيف ستواجه “جنون” ترامب؟
لم يمرّ سوى شهر وأسبوع على تسلّم دونالد ترامب مهامّه في البيت الأبيض، حتّى قلب الدنيا رأساً على عقب. ربّما توقّع كثيرون أن تكون السياسة الأميركية في عهد الإدارة الجديدة أكثر انعزالية، أو أكثر انصرافاً إلى الشؤون التي تهمّ أميركا. ولكن، لم يتصوّر أحد أنّ ترامب سيمارس ما يشبه الانقلاب على النظام العالمي الذي بُني بتأنٍ منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وفي الواقع كان الأوروبيون يصمّون آذانهم عن التحذيرات من ولاية ترامب الثانية، وكانوا يعتقدون أنه يمكنهم التعامل معها.
ولكن ها هو ترامب يتخلّى عن حلفائه الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي، ويقرّر السير في شراكة مع موسكو، العدوّ التقليدي للغرب. كما أنّه يريد إنهاء الحرب في أوكرانيا بالتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مستبعداً الاتّحاد الأوروبي، وحتّى أوكرانيا نفسها، من المفاوضات. حتى أنّه وصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالديكتاتور، واتّهم كييف بإطالة أمد الحرب، معتبراً أنّ السبب في اندلاعها كان التوجه لضمّ أوكرانيا إلى الناتو.وقال ترامب إنّه يبحث مع بوتين في إبرام صفقات اقتصادية كبرى في إطار إنهاء الحرب في اوكرانيا.
ومن أجل محاولة تلافي الأسوأ والحفاظ على العلاقات مع الولايات المتّحدة، انضمّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مؤتمر عبر الهاتف عُقد في البيت الأبيض بين ترامب وقادة مجموعة الدول السبع، وسيتوجّه إلى بريطانيا، للبحث مع رئيس الحكومة كير ستارمر، الذي زار واشنطن أيضاً، في ما يمكن عمله، للحفاظ على أمن القارّة، بعدما تخلّى ترامب عن دور بلاده في هذا المجال.
وكتب وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر في مقال: “ما يهمّ واشنطن ليس تعاضد الديموقراطيّات في ما بينها، إنّما الاتّفاق بين القادة الاستبداديين للقوى العالمية الكبرى، حيث القوّة تتغلّب على القانون…. وحيث القوى الكبرى ترسم مصير الدول الصغيرة”. وأضاف أن “ترامب جادّ في عزمه على تحويل الديموقراطية إلى أوليغارشية، وإقامة نظام عالمي جديد يقوم على الاستبداد”.
وتشعر أوروبا بالخطر على أمنها، في حال أوقفت الولايات المتّحدة الدعم العسكري. إذ إنّ روسيا لطالما أظهرت أهدافها القائمة على السيطرة على أوروبا الوسطى والشرقية، وإعادة القارّة عمليّاً إلى ما كانت عليه قبل مؤتمر يالطا. ويبدو أنّ الرئيس ترامب يتحدّث اللغة عينها التي يتحدّث بها الرئيس بوتين. فكلّ من الرئيسين ينظران باستخفاف إلى معايير العلاقات الدولية واحترام حقوق الانسان وحرمة الحدود. وهذا ما يثير قلق الدول الأوروبية التي تجد نفسها أمام سيناريو مفاجئ، يخلط الأوراق في التحالفات القائمة عبر الحلف الأطلسي.
لذا، تستعدّ دول الاتحاد الأوروبي لاتّخاذ سلسلة من التدابير لمواجهة الواقع الجديد. فبعض الأسلحة من الولايات المتّحدة لا يمكن تعويضها بسهولة، مثل بعض أنواع السلاح المتطوّر، وأنظمة الدفاع الجوّي باتريوت القادرة على اعتراض الصواريخ البالستية. ومع أنّ هناك أنظمة أوروبية موازية، ولكن لا كميّة كافية لتلبية حاجات أوكرانيا، ولا قدرة على إنتاجها بسرعة.
ومن التدابير التي تدرسها الدول الأوروبية: زيادة إنفاقها العسكري، في محاولة للاستقلال عسكريّاً عن الولايات المتّحدة، وإيجاد بدائل من خارج حلف الناتو. كما تتحدّث باريس عن وجوب إنشاء قوّات أوروبية، وتلمّح إلى إمكان نشر السلاح النووي الذي تمتلكه فرنسا، فيما ترى ألمانيا أنّ الأولويّة هي لتقوية الدفاعات الأوروبية، لمواجهة أيّ احتمال لتمدّد روسي على حساب دول الاتّحاد الأوروبي. وتخشى أوروبا رفع العقوبات الأميركية عن موسكو، ما يمكّن روسيا من إعادة تغذية ترسانتها بالسلاح ومهاجمة أوروبا من جديد. وفي الخلاصة تحضّر دول الاتحاد نفسها لمرحلة ستكون فيها الشراكة مع واشنطن غير موثوقة.
أمّا أوكرانيا التي وجدت نفسها ضحيّة التقارب الأميركي الروسي، فيحاول رئيسها فعل كلّ ما وسعه لتحسين العلاقات مع الأميركيين. وقد وافق على صفقة المعادن النادرة التي طرحها ترامب، وهو سيتوجّه الجمعة إلى العاصمة الأميركية لتوقيعها. وبموجب هذه الصفقة، ستستحوذ واشنطن على 50% من عائدات صندوق المعادن النادرة، ولكن وسط غموض حول الضمانات الأمنية التي تطالب بها كييف في المقابل. فترامب يريد استعادة الأموال التي أنفقتها بلاده لدعم أوكرانيا في حربها مع روسيا. وربّما إذا استمرّ الرئيس الأميركي بهذا المنطق، فقد يعود إلى خطة مارشال التي بلغت تكلفتها 170 مليار$، حسب السعر اليوم. وعندها، على بريطانيا وألمانيا الغربية وفرنسا وعشرات الدول السداد بعد 75 سنة على المشروع. من يدري…