
خاص – هل يتغيّر “الحزب” فعلاً أم يلجأ إلى التقيّة؟
في علم النفس، يُعتبر المرور بمراحل الحداد ضرورياً للوصول إلى تقبّل حادثة الموت المفجعة واستئناف الحياة من جديد بطريقة مختلفة. لذا، يشكّل تشييع الأمين العام لـ “حزب الله” السيّد حسن نصر الله، نقطة فاصلة بين مرحلة وأخرى بالنسبة إلى “الحزب”، بما يسمح له بفتح صفحة جديدة، بعد التغيّرات الهائلة التي طرأت في لبنان والمنطقة. وبالفعل، أعلن الأمين العام الحالي الشيخ نعيم قاسم، في كلمته التي بُثّت خلال التشييع، الانتقال إلى “مرحلة جديدة تختلف أدواتها وأساليبها وكيفيّة التعامل معها”. وألمح في كلمته إلى عناوين عامّة ستستند إليها السياسة الجديدة، وهي التسليم للدولة بتحرير الأراضي اللبنانية، مع التمسّك بالمقاومة في الوقت عينه. وقال قاسم: “نمارس حقّنا في المقاومة بحسب تقديرنا للمصلحة والظروف، ونناقش لاحقاً استفادة لبنان من قوّته، عندما نناقش الاستراتيجية الدفاعية”.
والاسئلة التي تطرح هنا كثيرة. هل سيتحوّل “الحزب” إلى حزب سياسي فقط ويتخلّى عن سلاحه؟ وكيف ستكون الصيغة التي يقبل فيها بتسليم السلاح إلى الدولة؟ هل يتخلّى عن التزامه حكم الإسلام وولاية الفقيه، أو يعتمد التقيّة لتمرير المرحلة في انتظار ظروف أفضل؟ هل يخرج الشيعة في لبنان من مفهوم المظلومية التي بنوا عليه تعاطيهم السياسي منذ بروز الإمام موسى الصدر، خصوصاً أنّهم خاضوا تجربتهم ككلّ الطوائف الأخرى، من المارونية السياسية، إلى السنيّة السياسية، فالهيمنة الشيعية؟
الأمر الأكيد أنّ “الحزب” يدخل مرحلة جديدة، تمكّنه من التأقلم مع المعطيات التي طرأت على الساحتين المحلّية والإقليمية. فهو حزب قادر على التكيّف، ولكنّه لا يتخلّى عن ثوابته، وعلى رأسها التمسّك بولاية الفقيه.
وهذا التكيّف ليس جديداً على “الحزب”. فهو مرّ بمراحل عدّة منذ بداياته في أوائل الثمانينات. واتّسمت كلّ مرحلة بعناوين مختلفة. فهو الذي وُلد من رحم حركة “أمل”، أعلن تأسيسه رسميّاً باسم “حزب لله” في العام 1985، حيث أصدر ما عُرف بـ “الرسالة المفتوحة”، التي حدّد فيها أهدافه بالقضاء على إسرائيل، وأن يتاح للشعب تقرير مصيره واختيار نظام الحكم الذي يريده، معلناً التزامه حكم الإسلام وولاية الفقيه.
وبعد إقرار اتّفاق الطائف، انتقل “الحزب” من العمل الجهادي المحض إلى العمل الجهادي والسياسي، بحيث قرّر الترشّح للانتخابات النيابية للمرّة الأولى، وفاز في انتخابات العام 1992 بـ12 مقعداً، ثمّ دخل الحكومة للمرّة الأولى أيضاً في العام 2005 مع حكومة برئاسة نجيب ميقاتي. وبعد حرب تمّوز 2006، بدأ يتحوّل إلى أحد أقوى اللاعبين الإقليميين وأحد قادة محور المقاومة. ولكن في العام 2009، أصدر “وثيقة سياسية” لم يكن فيها ذكر للولاء لإيران. لكنّه أكّد أنّ “الرسالة المفتوحة” هي الوثيقة الدائمة، وما تبعها مجرّد تعديلات.
هذه المرحلة انتهت الآن مع الضربة التي تكبّدها “الحزب”، واغتيال أمينه العام حسن نصر الله، الذي كان قائداً قويّاً، قاد حزبه إلى الإمساك بالقرار اللبناني وبقرارات إقليمية أساسية. وسيعمل “الحزب” حاليّاً على صوغ وثيقة سياسية جديدة أو توجّه جديد، يقوم على استمرار عملية التحرير، ولكن مع “تأجيلها” عملياً إلى الوقت المناسب. وهذا ما فُهم من كلمة قاسم، التي أقرّ فيها للدولة اللبنانية بمهمّة تحرير الأرض. وهذا الموقف هو إقرار بالخسارة وبعدم القدرة حاليّاً على مواصلة المقاومة العسكرية ضدّ إسرائيل.
أمّا في الشقّ السياسي، فسيتمحور التركيز في المرحلة المقبلة على الموضوع الداخلي، حيث سيكون للحزب حضور أكبر، وسيحضّر الأرضية لخوض الانتخابات البلدية في أيار والنيابية العام المقبل. وسيتّكل على الشعبية التي يتمتّع بها لتمتين وجوده على الساحة السياسية، حرصاً منه على الحفاظ على موقعه في الداخل، بعد الخسائر الكبيرة التي تكبّدها. وحسب مصدر مقرّب من “الحزب”، سيجري العمل على عقد تحالفات جديدة في إطار وطني.
يريد “الحزب” في هذه المرحلة التقليل من الخسائر قدر الإمكان، في انتظار تغيّر الظروف. سيحاول مقاربة موضوع السلاح من زاوية الاستراتيجية الدفاعية، إذا تمكّن من ذلك. كما يحرص على أن تجري عملية إعادة الإعمار في الجنوب والبقاع والضاحية. وهي لا يمكن أن تتمّ ما لم “يهادن” ويتأقلم مع المرحلة. ولذلك، فهو يفسح المجال لدور أكبر للرئيس نبيه برّي، الذي قاد المساومات الأخيرة حول الانتخابات الرئاسية وتشكيل الحكومة، ويمكنه لعب الدور الدبلوماسي ببراعة.
كما يتطلّع “الحزب” إلى علاقات إقليمية جديدة. وقد أرسل إشارات إيجابية إلى الحكومة السورية الجديدة. أمّا بالنسبة إلى إيران، فالتمسّك بمبدأ ولاية الفقيه يعتبر من الثوابت، فيما إيران بحدّ ذاتها قد تتغيّر، في ضوء القرار الأميركي المنتظر للتعامل مع الملف النووي، في حين وضع لبنان الرسمي عبر رئيس الجمهورية جوزف عون حدوداً واضحة للعلاقة مع طهران، حين قال للوفد الإيراني بكل وضوح إنّ لبنان تعب من حروب الآخرين على أرضه.