
خاص- المنطقة العازلة كأمر واقع
تمتدّ التلال الخمس التي أقام الجيش الإسرائيلي مواقع له عليها، ولم يشملها بانسحابه الأخير في 18 الجاري، على طول الحدود من الغرب إلى الشرق. وتبدأ من تلّة اللبّونة غرباً، إلى جبل بلاط والعزيّة في القطاع الأوسط، وصولاً إلى تلّتي العويضة والحمامص في القطاع الشرقي. وإذا نظرنا إلى الخريطة، لتبيّن بكل وضوح توزّع هذه النقاط الأستراتيجية، بحيث تشرف عمليّاً على كل المنطقة الحدودية، وتطلّ أيضاً على مناطق وقرى جنوب الليطاني، بحيث يمكن للقوّات الإسرائيلية مراقبة أيّ تحرك، والتدخّل كلّما ارتأت أنّ هناك خطراً على سكّانها.
إذاً، هي المنطقة العازلة التي فُرضت بحكم الأمر الواقع، ولو من دون إعلان مباشر وصريح عن ذلك. فمن هذه المواقع، يمكن الإشراف على الطريق الساحلي من الناقورة إلى البيّاضة، وصولا إلى مدينة صور. كما تكشف جزءاً واسعاً من القطاع الأوسط، من عيتا الشعب إلى بنت جبيل، وشرقاً تطلّ هذه النقاط على حولا ومركبا ومارون الراس ويارون.
وفي المجمل تبعد النقاط الخمس عن الخطّ الأزرق مسافات تتراوح بين مئات الأمتار والكيلومترين. ولكن، وعلى رغم قربها من الحدود، فهي تسيطر بالنار والمراقبة على مسافات أبعد بكثير تصل إلى كيلومترات عدّة. وقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بكل وضوح أنّ “الجيش الإسرائيلي سيبقى في منطقة عازلة في لبنان، وسيستمرّ في التحرك بقوّة ومن دون أيّ مساومة، ضدّ أيّ انتهاك للهدنة من جانب حزب الله”.
وتربط إسرائيل بقاءها في هذه المواقع بتطبيق ما نصّ عليه اتّفاق وقف النار، حسبما تراه هي مناسباً. وبمعنى آخر، تربط عمليّاً بين انسحابها ونزع سلاح “الحزب” على كل الأراضي اللبنانية. وهي تريد أن تتأكّد بنفسها من أنّ الأمور أصبحت “مكتملة”. وهذا يحمل بالطبع تفسيرات مطّاطية، بحيث يجعل الاحتلال الإسرائيلي لهذه المواقع يطول، خصوصاً أنّ أي موعد لم يحدّد للانسحاب الكامل.
أمّا الأمر الثاني الذي يكرّس وجود المنطقة العازلة إلى أجل غير مسمّى، فهو الدمار شبه الكلّي في القرى والبلدات الحدودية، والذي يشمل المنازل والبنى التحتية والطرق، بحيث لم تعد المنطقة قابلة للعيش. وقد تعمّد الجيش الإسرائيلي تعميم الدمار الشامل، وظلّ يفخّخ البيوت حتّى آخر لحظة قبل انسحابه، ويقتلع الأشجار ويجرف الطرق. ولا يمكن عودة الأهالي من دون عملية إعادة إعمار كبيرة. ويحتاج هذا المشروع إلى المال أوّلا، بحيث قدّر البنك الدولي في دراسة أوّليّة تتركّز على البنى التحتية وإزالة الركام الكلفة بأكثر من مليار دولار، في حين أنّ التقييمات الأوّلية للبنك الدولي لحجم الأضرار والخسائر تفوق الـ 14 مليار دولار.
وليست إعادة الإعمار مسألة ماليّة وحسب، بل هي سياسية في الدرجة الأولى. وقد لا تُفرج الدول المانحة عن المساعدات، ما لم يكتمل الحلّ السياسي، الذي لا يُعرف إلى أين يمكن أن يصل. كما أنّ إسرائيل نفسها يمكنها أن تمنع إعادة الإعمار، من خلال توجيه الرشقات والقصف، ومنع أيّ انسان من التحرّك في المنطقة المحدّدة.
وما يثير القلق من احتمال بقاء المنطقة العازلة إلى وقت طويل، هو أنّ الإدارة الأميركية الجديدة موافقة عمليّاً على الوجود الإسرائيلي في هذه النقاط الاستراتيجية، وهي “تتفهّم” وجهة النظر الإسرائيلية، بدليل عدم حصول الزيارة الثانية لمورغان أورتاغوس لبيروت، والتي جرى حديث عن أنّ هدفها سيكون الضغط لتنفيذ انسحاب كامل من جنوب لبنان. كما أنّ إعلان إسرائيل عدم الانسحاب من خمس تلال في لبنان جاء غداة زيارة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لتلّ أبيب، وتأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحافي مشترك مع الوزير الأميركي أنّ “إسرائيل ستقوم بما يلزم لتطبيق التفاهمات في شأن وقف إطلاق النار والدفاع عن أمنها”.
وفي واقع الحال، يبدو بقاء القوّات الإسرائيلية في بعض المواقع كأنّه ترجمة لاتّفاق وقف النار الذي أعطى إسرائيل الحقّ في التحرّك ضد “الحزب”، على اعتبار أنّ الاتّفاق أتى لمصلحة إسرائيل، التي أضعفت “الحزب” إلى حدّ كبير.
ويعرف لبنان الرسمي هذا الواقع. وهو يعوّل على العمل الدبلوماسي مع الأمم المتّحدة من أجل دفع إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلّة، حتّى لا ندخل في دوّامة طويلة تشبه القرار 425. أمّا الطريق الوحيد لتسريع الانسحاب، فيكمن في تقوية الدولة لموقعها وقرارها، وتمكّنها من الإمساك الفعلي بالقرار العسكري واحتكار السلاح.