
خاص- النقاط الخمس وسلاح ” الحزب “
مرّ الموعد الثاني الممدّد لتنفيذ اتّفاق وقف النار، من دون أن يحدَّد موعد لانسحاب القوّات الإسرائيلية من النقاط الخمس التي تمركزت فيها على التلال الاستراتيجيّة في الجنوب. لا بل يبدو أنّ إسرائيل غير عازمة على إخلاء هذه التلال، طالما أنّ حجّتها هي حماية السكّان الذين سيعودون إلى منازلهم في المستوطنات الشمالية. وصار واضحاً أنّ الحكومة الإسرائيلية تربط انسحابها الشامل من الجنوب بنزع سلاح “حزب الله” على كلّ الأراضي اللبنانية، وليس فقط جنوب الليطاني.
وفي مواجهة هذه المعادلة، يقف لبنان الرسمي أمام تحدّيين أمنيين: الأوّل هو تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية، والثاني كيفية سحب السلاح من “الحزب”.
ففي الاستحقاق الجنوبي، سيلجأ لبنان إلى الطرق الدبلوماسية، كما أكّد الرئيس جوزف عون، لأن ليس لدى لبنان أيّ إمكانات للقتال، وهو الخارج من حرب أنهكته ودمّرته، وجلبت الاحتلال إلى أراضيه من جديد.
أمّا احتكار امتلاك السلاح بأيدي القوى الشرعيّة دون سواها، فهو امتحان آخر لا يقلّ صعوبة عن معركة تحرير الأرض. إذ إنّ بوادر المنازلة مع “الحزب” بادية للعيان، سواء من خلال مسيرات العودة إلى الجنوب وادّعاء التحرير عبر السكّان المدنيين، أو عبر الاحتجاجات وأعمال الشغب التي جرت على طريق المطار، بسبب منع الطيران الإيراني من استعمال مطار بيروت في الوقت الراهن، أو من خلال التشييع الذي سيجري في 23 شباط للأمين العام حسن نصر الله وخليفته المفترض هاشم صفيّ الدين في المدينة الرياضية، والذي سيؤدّي إلى وقف حركة الطيران لمدة أربع ساعات، خشية تعرّض المطار لأيّ أحداث أمنية أو عسكرية.
إذاً، أمام لبنان معركتان. الأولى دبلوماسية عبر التوجّه إلى المجتمع الدوليّ والأمم المتّحدة لتأمين الانسحاب الإسرائيلي من التلال الخمس، والثانية سيتولّاها الجيش اللبناني، الذي يخوض أصعب التحدّيات. فهو الذي سيُكلّف عملية سحب السلاح مع الحفاظ في الوقت عينه على السلم الأهلي الدقيق. وقد نجح الجيش في الاختبارات التي خاضها حتّى الآن، عبر اعتماده المرونة والحزم في الوقت عينه مع المتظاهرين على طريق المطار، ومع السكّان العائدين إلى قراهم المحرّرة في الجنوب.
في الواقع، نشر الجيش أعداداً إضافية من جنوده في الجنوب، وقام في الفترة الماضية بدهم أكثر من 550 موقعاً تابعاً لـ “حزب الله”، وصادر أكثر من مئة مخبأ للسلاح. ولكن المهمّة ليست سهلة عليه، للأسباب السياسية المعروفة وليس لسبب عسكري بالطبع. فالجيش ما زال يعمل في إطار عدم استعمال القوّة وتفادي استثارة الشارع الشيعي. ولكن ذلك ينعكس في الوقت عينه على سرعة الحسم، كما ترى جهات معنية بالموضوع الأمني، تؤيّد اللجوء إلى قرارات أكثر حزماً.
ولا ننسى أنّ الجيش يعاني من نقص في عديده، ومن تراجع معاشات العسكريين في شكل كبير، كما يحتاج إلى الدعم بالسلاح. ومع تأكيد السفارة الأميركية في بيروت استثناء الجيش اللبناني من عمليّة تعليق المساعدات، إلّا أنّ المؤسّسة العسكرية موضوعة عمليّاً تحت المجهر الأميركي، لمراقبة كيفية تصرّفها مع سلاح “الحزب”، والعقيدة التي ستتّبعها في المرحلة المقبلة، من أجل تقديم المزيد من الدعم المالي واللوجستي.
ولكن، استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض المواقع الحدودية، يصعّب المهمّة على الحكومة اللبنانية. إذ قد يتّخذ “الحزب” من هذا الأمر سبباً للامتناع عن تسليم سلاحه، فيما تربط إسرائيل انسحابها بنزع سلاح “الحزب”. وأمام هذه الدوّامة، سيكون مطلوباً من واشنطن أن تمارس الضغوط على بنيامين نتنياهو، وأن تقدّم ضمانات، من أجل تأمين الانسحاب من المواقع الخمسة على التلال. ولكن تمسّك إسرائيل بالبقاء في هذه المواقع على رغم الضغوط الأميركية، هو ما جعل الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس تعدل عن زيارة قيل أنّها ستقوم بها لبيروت قبل موعد 18 شباط.
أمّا من وجهة النظر الإسرائيلية، فيورد تقرير نُشر في “معهد واشنطن” أنّ “إسرائيل تتبنّى مقاربة صبورة قائمة على الأداء، بدلاً من التزام جدول زمني”، ويشير إلى أنّ “التحدّي الأساسي يكمن في اتّخاذ خطوات حاسمة على الصعيد الداخلي اللبناني”. وباتت إسرائيل تربط انسحابها بسلسلة شروط، تشمل تفكيك بنية “الحزب” التحتية واستهداف شبكاته المالية واللوجستية، ودور “اليونيفيل”، وصولاً إلى وقف دائم لإطلاق النار، يشمل ترسيم الحدود وشروطاً أمنية…. وربّما أكثر من ذلك.