خاص- حول الطائفة الجريحة

خاص- حول الطائفة الجريحة

الكاتب: نبيل موسى | المصدر: beirut24
16 شباط 2025

بعد انتهاء “حرب الإسناد” بتوقيع “حزب الله” اتفاق الاستسلام الذي أوقف إطلاق النار من جانب واحد، تسارعت التطورات الداخلية الإيجابية، وإن بضغط خارجي، بدءًا بانتخاب العماد جوزيف عون رئيسًا للجمهورية وتكليف القاضي نواف سلام بتشكيل حكومة العهد الأولى، وصولًا الى تشكيل حكومة غير حزبية تقريبًا يملك أعضاؤها سيَرًا ذاتية محترمة تحظى بثقة الداخل والخارج.

في الأثناء كان الإعلام المحلي (ولا يزال) يطالعنا بتصريحات لمسؤولين لبنانيين من جميع الطوائف والأحزاب اللبنانية يتحدثون فيها عن “الطائفة الشيعية الجريحة” بسبب هزيمة “حزب الله” في الحرب والدمار الكبير الذي الحقته اسرائيل بالحزب وبيئته، ليصلوا الى استنتاج مفاده ضرورة احتضان هذه الطائفة على المستوى الداخلي وعدم إشعارها بالغبن والاستهداف داخليًا بعدما أرهقها الحزب في حروبه العبثية في الداخل والخارج.

انطلاقًا من هذه “الأسطوانة” التي راح المسؤولون يردّدونها في كل يوم، وجد “عراب الثنائي” الرئيس نبيه بري الفرصة مؤاتية للتمسك بحقيبة المال فأصرّ تسمية وزيرها بالإضافة الى ثلاثة وزراء شيعة آخرين، وكان له ما أراد، علمًا ان هذا الاستثناء- الامتياز لم يحصل عليه أي طرف حزبي او طائفي آخر.

في الأثناء عاد “حزب الله” الى استخدام طائفته دروعًا بشرية فأطلق ما أسماه “المقاومة الشعبية” التي تجاوزت الجيش الى قرى الجنوب ما أدى الى سقوط عشرات القتلى والجرحى برصاص العدو الإسرائيلي. في اليوم نفسه أطلق الحزب “قبضاياته” على الموتوسيكلات في مختلف المناطق اللبنانية لاستدراج الطوائف الأخرى الى مواجهات اعتقد انها قد تخرجه من مأزقه داخل مؤسساته وبيئته. ومع فشل هذه المحاولة، سارع الحزب بعد حركة أمل الى التبرؤ من الأمر وأكدا أنهما غير معنيين بما حصل ووضعاه في خانة التجاوزات الفردية.

بعد فشل استفزاز الأطراف الداخلية سعيًا الى مواجهة معها، انتقل الحزب الى الخطة “ب” التي تقضي باستفزاز السلطة عبر قواها الأمنية لاستدراج رد فعل يضعه في موقع الضحية، ويحوّل الأنظار الداخلية عن الكارثة التي حلت ببيئته. جاءت الفرصة بعد منع السلطات اللبنانية المعنيّة طائرة ايرانية تنقل أموالًا للحزب من الهبوط في مطار بيروت، وذلك بعد إنذار تلقته الحكومة من الجانب الأميركي مفاده ان اسرائيل  ستقصف المطار في حال هبوط الطائرة الايرانية. استغل الحزب هذه الأزمة ليطلق “قبضاياته” مجددا على مدى أيام على طريق المطار، وما رافق ذلك من اشكالات أمنية مع المواطنين والجيش، إضافة الى سيارات “اليونيفل”.

أما بعد، فيحثونك عن “الطائفة الجريحة”.

ماذا فعلت “الطائفة الجريحة” عندما كانت الطوائف المسيحية جريحة بعد اغتيال الرئيس بشير الجميل وانتخاب الشيخ أمين الجميل رئيسًا للجمهورية، وما رافق تلك الفترة من محاولات حثيثة لمد اليد الى جميع المكوّنات اللبنانية؟ انتفضت “الطائفة الجريحة” التي لم تكن كذلك في حينه في 6 شباط  1984 مانعة قيام دولة فعلية في لبنان.

ماذا فعلت “الطائفة الجريحة” عندما خرجت الطوائف المسيحية مضرّجة بدمائها بعد “حرب الإلغاء” التي شنها العماد ميشال عون على “القوات اللبنانية”، فخرج الطرفان ومعهما الطوائف المسيحية خاسرين؟ تحالفت “الطائفة الجريحة” التي لم تكن كذلك في حينه مع المحتل السوري ضد شركائها في الوطن، ما أدى الى إبعاد العماد عون الى فرنسا وادخال قائد “القوات” الدكتور سمير جعجع الى السجن وحلّ الحزب والتنكيل بمناصريه على مدى سنوات. في المحصلة تم استبعاد المسيحيين من السلطة التي استأثرت بها “الطائفة الجريحة” بالتعاون مع الاحتلال السوري ثم مع الاحتلال الايراني.

ماذا فعلت “الطائفة الجريحة” بعد انقصام ظهر الطائفة السنية باغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، علمًا ان أحد جناحي الطائفة، أي حزب الله” أدانته المحكمة الدولية من خلال إدانة ثلاثة من عناصره بتنفيذ عملية الاغتيال؟ واصلت “الطائفة الجريحة” ضغطها المتمادي السنّة وصولًا الى اجتياح بيروت الذي أسمته بـ”اليوم المجيد” في 7 ايار 2008.

ماذا فعلت “الطائفة الجريحة” لجميع الطوائف اللبنانية الجريحة بعد حرب تموز 2006؟ رمت القرار 1701 في سلة المهملات، وقلبت الصفحة وواصلت سيطرتها على الدولة، كما واصلت بناء ترسانتها العسكرية استعدادًا لحروب جديدة في لبنان وسوريا واليمن.. فكان أن وصلت الأمور الى ما وصلت إليه.

التذكير بهذه المحطات التاريخية الأليمة لا يحمل دعوة الى الإقصاء أو الانتقام بقدر ما يحمل دعوة صادقة الى “الثنائي الشيعي”، الذي يأخذ طائفته رهينة لتحقيق مآرب سياسية، الى إجراء مراجعة شاملة لواقعه والتطوّرات الحاصلة في المنطقة، ليستخلص العبر ويقرر لمرّة أخيرة ما إذا كان يريد الانخراط نهائيًا في المشروع اللبناني بعيدًا عن الاستقواء بالاحتلالات والوصايات الخارجية التي منحته فائض قوة على الطوائف الأخرى فأوصلته الى ما وصل اليه. إذا كان الجواب نعم، بمعنى أن يقتنع ويعترف ويعلن أن لبنان أولًا وأخيرًا، فالطوائف الأخرى جاهزة ومستعدة لشبك الأيدي والسير معًا في مشروع بناء الدولة، وإلا فعلى المسؤوليين الروحيين والحزبيين من جميع الطوائف البحث سريعًا عن صيغة أخرى تؤمن العيش الكريم للمجموعات اللبنانية ولا تدخلها في حروب داخلية أو خارجية كل عشر سنوات أو أكثر بقليل.