خاص- سلاح المال

خاص- سلاح المال

الكاتب: نبيل موسى | المصدر: beirut24
14 شباط 2025

عندما وقع “حزب الله” في 27 تشرين الثاني 2024 اتفاق الاستسلام لوقف اطلاق النار مع اسرائيل لم يكن يدرك انه وقع وثيقة إعدامه بنفسه، لأنه لم يكن مقتنعًا بعد بدرجة كافية أنه مني بهزيمة كاملة في حرب إسناد غزة. حاول الحزب استنساخ تجربة حرب تموز 2006 التي انتجت القرار 1701 كشرط لوقف الأعمال العسكرية، فالتزم بوقف النار وتحايل على القرار الدولي قبل ان يعود فيسخر منه عندما اعتقد أنه أعاد بناء ترسانته العسكرية بشكل أقوى من السابق، وخُيّل له انه حقّق توازن ردع مع إسرائيل، فراح يروّج إعلاميًا لقدرته على احتلال الجليل، وصولًا الى الصلاة في المسجد الأقصى.

عندما وقع “حزب الله” الاتفاق بواسطة حكومته، حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، بعد مفاوضات أميركية مباشرة مع عرابه الرئيس نبيه بري، كان الحزب يحاول اللعب على الوقت من جهة، والأهم أنه كان يحاول نقل مأزقه من استمرار مواجهة انتحارية مع اسرائيل الى الاحتفاظ بما تبقى له من قوة تسمح له باللعب على التناقضات الداخلية والضغط على السلطة بوسائل مختلفة على أمل تعليق مفاعيل الاتفاق، على أمل تمكنه من إعادة بناء هيكليته العسكرية والامنية والمالية بما يسمح له بالعودة الى التحكم بالقرار الداخلي. بكل بساطة حاول الحزب ألا تنعكس خسارته المطلقة للحرب مع اسرائيل على وضعه الداخلي، فيضطر بالتالي الى دفع ثمن أخطائه مرتين.

إلا أن الواضح ان الضربات الكارثية المتتالية التي تلقاها الحزب لم تسمح له بالخروج من أنفاقه العسكرية لاستيعاب التطورات المتسارعة التي حصلت في المنطقة والعالم. فزلزال عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى البيت الأبيض كانت أولى تجلياته بمزايدة واشنطن على تل ابيب لجهة إطلاق يدها في جميع حروبها ضد الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين وصولًا الى عاصمة الممانعة طهران التي باتت أمام أحد خياريين أحلاهما مرّ: التعرض لعقوبات اقتصادية مدمّرة ستؤدي على المدى القريب الى ثورة داخلية تسقط النظام المتآكل، أو تعريض منشآتها العسكرية والاقتصادية لضربة قاتلة تعيد البلاد عقودًا الى الوراء تحت عنوان منع الجمهورية الإسلامية من امتلاك سلاح نووي.

أما الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، الحليف الأقرب للحزب وحامي خاصرته وطريق إمداده، فطار لاجئًا الى موسكو عندما توفّر القرار الخارجي فأسقطت فصائل المعارضة في 5 أيام حكمًا استمر أكثر من 50 عامًا. والمشكلة الأكبر بالنسبة للحزب أن النظام السني الجديد، وبإيعاز خارجي، بادر منذ أيام الى إغلاق جميع المعابر البرية مع لبنان بعدما نجح في تدمير مصانع المخدرات ومطابع الأموال المزوّرة في المناطق الحدودية التي كانت تخضع لسلطة “حزب الله” ونظام الأسد.

انطلاقًا من ذلك لم يعد “حزب الله” يملك الطرق المناسبة للحصول على تمويله الخارجي، وخاصة بعد التشدّد اللبناني، منذ توقيع اتفاق وقف النار، في عمليات التفتيش في مطار بيروت منعًا لوصول الأموال جوًا الى الحزب الذي بات بأمسّ الحاجة الى التمويل بعدما استنزفت الحرب مدخراته، وباتت بيئته تضغط عليه للحصول على مساعدات لإعادة إعمار مناطق شاسعة دمرتها الحرب في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. ومن هذا المنطلق يمكن فهم ردة فعل الحزب مساء الخميس عندما أطلق العنان لمناصريه لإغلاق الطرق المؤدية الى مطار بيروت وافتعال الإشكالات مع القوى الامنية، بعدما منعت السلطات اللبنانية طائرة إيرانية تقل لبنانيين وتحمل أموالًا للحزب من الهبوط في المطار، في أعقاب إنذار إسرائيلي مباشر بهذا الخصوص.

انطلاقًا من ذلك، لم يعد البيان الوزاري هو ما يقلق الحزب، كما لم يعد انسحابه من جنوب الليطاني مسألة للبحث بعدما أصبح تواجده في هذه المنطقة عبءًا عليه وليس على اسرائيل. كما ان قضية احتفاظه بالسلاح او تسليمه للجيش تنفيذًا لاتفاق وقف النار والقرارات الدولية أصبح على درجة ثانية من الأهمية. فالأهم بالنسبة لـ”حزب الله” اليوم هو حصوله على التمويل الضروري كشرط لاستمراره، لأن بيئته التي ذهبت معه الى الانتحار في حرب الإسناد أعطته فترة سماح محددة لتأمين الاموال الكفيلة باعادة الإعمار والعودة الى القرى المدمرة. وبما ان الحزب يدرك جيدا ان هذه المهلة لن تكون مفتوحة، لجأ الى تبرير عجزه بمحاولة تحميل الدولة هذه المسؤولية، فوقع في مأزق إضافي بعدما أبدت الحكومة الجديدة استعدادها لهذا الأمر شرط أن ينفذ الحزب بنود الاتفاق كشرط عربي ودولي للحصول على المساعدات.

في المحصّلة، يبدو أن خنق الحزب ماليًا لإخضاعه عسكريًا وسياسيًا سيف ذو حدّين، لأن سلاح المال في هذه المرحلة أشد فتكًا ببنية “حزب الله” من الصواريخ والمسيّرات. لذلك تبدو هذه الطريق محفوفة بالمخاطر إذا لم يقتنع الحزب بإلغاء شقه العسكري والانخراط في العمل السياسي، وعوضًا عن ذلك قرّر الهروب الى الأمام منعًا لإلغائه، واندفع لخوض “معركة كربلائية” أخيرة في الداخل يدفع ثمنها غاليًا مع بيئته، ولا تندمل جروحها لعقود لاحقة.